تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
بضرب الكافرين ، سببه أن هؤلاء الكافريناقُّوا اللَّه ورَسُولَه أي : عاد وهما وخالفوا شرعهما : مَنْ يُشاقِقِ اللَّه ورَسُولَه بأن يسير في غير الطريق الذي أمرا به ، إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ لهذا المعادى والمخالف . قال الآلوسي : وقوله : إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ إما نفس الجزاء ، وقد حذف منه العائد عند من يكتفى ولا يلتزم بالعائد في الربط . أي : شديد العقاب له . أو قائم مقام الجزاء المحذوف أي : يعاقبه اللَّه - تعالى - فإن اللَّه شديد العقاب . وأيا ما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريق برهاني . كأنه قيل : ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة للَّه - تعالى - ولرسوله صلى اللَّه عليه وسلم وكل من يشاقق اللَّه ورسوله كائنا من كان ، فله بسبب ذلك عقاب شديد ، فإن لهم بسبب مشاقة اللَّه ورسوله عقابا شديدا « 1 » . ثم يوجه - سبحانه - خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا اللَّه ورسوله ، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول : * ( ذلِكُمْ فَذُوقُوه وأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ) * فاسم الإشارة * ( ذلِكُمْ ) * يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين ، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم . أي ذلكم الذي نزل بكم - أيها الكافرون - من القتل والأسر في بدر ، هو العقاب المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم ، فذوقوا آلامه ، وتجرعوا غصصه ، وعيشوا في مذلته . هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فلكم عذاب النار الذي هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . فاتركوا الكفر ، وادخلوا في الإيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب . قال الجمل ما ملخصه وقوله : * ( ذلِكُمْ فَذُوقُوه . . ) * يجوز فيه وجوه من الإعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أي ذلكم العقاب . الثاني : أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين الوجهين يكون قوله * ( فَذُوقُوه ) * لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب فهو مستأنف ، والوقف يتم على قوله : * ( ذلِكُمْ ) * الثالث : أن يرتفع بالابتداء . والخبر قوله * ( فَذُوقُوه ) * وهذا على رأى الأخفش . وقوله * ( وأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ) * معطوف على قوله * ( ذلِكُمْ ) * أو منصوب على أنه مفعول معه ، والمعنى : ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم في الآخرة ، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر - بأن قال * ( فَذُوقُوه وأَنَّ لِلْكافِرِينَ ) * ولم يقل فذوقوه وأن لكم - للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل أو للجمع بينهما « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص 179 . ( 2 ) حاشية الجمل الجلالين ج 9 ص 179 .