وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه . وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها : وهي أن المهدى للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات اللَّه صار داخلا في حكم الإضلال » « 1 » .
وقال صاحب المنار : أخرج ابن المنذر أن عبد اللَّه بن مسعود كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول : فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما فليفعل ، ولا يغدو لسوى ذلك ، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير . أيها الناس : إني واللَّه لا أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم ، وقد قال - تعالى - * ( وما كانَ اللَّه لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ . . ) * « 2 » .
وقوله : * ( إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * تعليل لما قبله ، أي إن اللَّه - تعالى - عليم بكل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أقوال الناس وأفعالهم ، وسيحاسبهم يوم القيامة على ذلك ، وسيجازى الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان أنه - سبحانه - هو المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء ، فقال : * ( إِنَّ اللَّه لَه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ ) * .
أي : إن اللَّه - تعالى - هو المالك للسموات والأرض وما بينهما ، ولا شريك له في خلقهما ، ولا في تدبير شئونهما ، وهو - سبحانه - الذي يحيى من يريد إحياءه ، ويميت من يريد إماتته ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .
* ( وما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ ) * أي : وليس لكم - أيها الناس - أحد سوى اللَّه يتولى أمركم وينصركم على أعدائكم .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن الاستغفار للمشركين المصرين على شركهم ، كما بشرتهم بأنه - سبحانه - لا يؤاخذهم على استغفارهم لهم قبل نهيهم عن ذلك .
كما أخبرتهم بأن ملك هذا الكون إنما هو للَّه وحده ، فعليهم أن يستجيبوا لأمره ، لكي ينالوا رحمته ورضاه .
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل توبتهم ، وتجاوز عن زلاتهم ، فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 116 .
( 2 ) تفسير المنار ج 2 ص 316 .