تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
ومنهم من يرى أن المراد بالتوبة هنا : دوامها لا أصلها ، وإلى هذا المعنى أشار بعضهم بقوله : لقد تاب اللَّه على النبي . . « أي : أدام توبته على النبي والمهاجرين والأنصار . وهذا جواب عما يقال : من أن النبي معصوم من الذنب ، وأن المهاجرين والأنصار لم يفعلوا ذنبا في هذه القضية ، بل اتبعوه من غير تلعثم ، قلنا : المراد بالتوبة في حق الجميع دوامها لا أصلها . . » « 1 » . ومنهم من يرى أن ذكر النبي هنا إنما هو من باب التشريف ، والمراد قبول توبة المهاجرين والأنصار فيما صدر عن بعضهم من زلات . وقد وضح هذا المعنى الإمام الآلوسي فقال : قال أصحاب المعاني : المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار ، إلا أنه جيء في ذلك بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم تشريفا لهم ، وتعظيما لقدرهم ، وهذا كما قالوا في ذكره - تعالى - في قوله : فَأَنَّ لِلَّه خُمُسَه ولِلرَّسُولِ . . الآية أي : عفا - سبحانه - عن زلات صدرت منهم يوم أحد ويوم حنين . . . » « 2 » . ويبدو لنا أن الرأي الأول أقرب الآراء إلى الصواب ، لأن الآية الكريمة مسوقة لبيان فضل اللَّه - تعالى - على رسوله وعلى المؤمنين ، حيث غفر لهم ما فرط منهم من هفوات وقعت في هذه الغزوة وهذه الهفوات صدرت منهم بمقتضى الطبيعة البشرية ، وبمقتضى الاجتهاد في أمور لم يبين اللَّه - تعالى - حكمه فيها ، فهي لا تنقص من منزلة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولا من منزلة أصحابه الصادقين في إيمانهم . والمعنى ، لقد تقبل اللَّه - تعالى - توبة النبي صلى اللَّه عليه وسلم كما تقبل توبة أصحابه المهاجرين والأنصار ، الذين اتبعوه عن طواعية واختيار وإخلاص في ساعة العسرة . أي في وقت الشدة والضيق ، وهو وقت غزوة تبوك ، فالمراد بالساعة هنا مطلق الوقت . وقد كانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة ، كما كان الجيش الذي اشترك فيها يسمى بجيش العسرة ، وذلك لأن المؤمنين خرجوا إليها في سنة مجدبة ، وحر شديد ، وفقر في الزاد والماء والراحلة . قال ابن كثير : قال مجاهد وغير واحد : نزلت هذه الآية في غزوة تبوك ، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر ، في سنة مجدبة ، وحر شديد ، وعسر في الزاد والماء . وقال قتادة : خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر - أي شدته - على ما يعلم اللَّه من
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 324 - بتصرف يسير . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 39 .