تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
الجهد ، أصابهم فيها تعب شديد ، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما « 1 » . وقال الحسن : كان العشرة منهم يعتقبون بعيرا واحدا ، يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك ، وكان النفر منهم يخرجون وليس معهم إلا التمرات اليسيرة فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ، ثم يشرب عليها جرعة من الماء . . ومضوا مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم على صدقهم ويقينهم - رضى اللَّه عنهم « 2 » . وقوله : * ( مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) * بيان لتناهى الشدة ، وبلوغها الغاية القصوى . أي : تاب - سبحانه - على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار ، من بعد أن أشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك ، لما لابسها وصاحبها من عسر وشدة وتعب . وفي ذكر « فريق منهم » إشارة إلى أن معظم المهاجرين والأنصار ، مضوا معه صلى اللَّه عليه وسلم إلى تبوك دون أن تؤثر هذه الشدائد في قوة إيمانهم وصدق يقينهم ، ومضاء عزيمتهم ، وشدة إخلاصهم . قال الآلوسي ما ملخصه : وفي « كاد » ضمير الشأن و « قلوب » فاعل « يزيغ » والجملة في موضع الخبر لكاد . . وهذا على قراءة « يزيع » بالياء ، وهي قراءة حمزة ، وحفص ، والأعمش . وأما على قراءة « تزيغ » بالتاء ، وهي قراءة الباقين . فيحتمل أن يكون « قلوب » اسم كاد « وتزيغ » خبرها ، وفيه ضمير يعود على اسمها » « 3 » . وقوله : * ( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّه بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * تذييل مؤكد لقبول التوبة ولعظيم فضل اللَّه عليهم . ولطفه بهم . أي : ثم تاب عليهم - سبحانه - بعد أن كابدوا ما كابدوا من العسر والمشقة ومجاهدة النفس . إنه بهم رؤوف رحيم . قال بعضهم : فإن قلت : قد ذكر التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة التكرار ؟ قلت : إنه - سبحانه - ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم ، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى ، تعظيما لشأنهم ، وليعلموا أنه - تعالى - قد قبل توبتهم ، وعفا عنهم ، ثم أتبعه بقوله - سبحانه - * ( إِنَّه بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) * تأكيدا
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 396 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 324 . ( 3 ) راجع تفسير الآلوسي ج 11 ص 40 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 420 | سيد محمد طنطاوي