تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
ولم يذكر - سبحانه - المبشر به في قوله : « وبشر المؤمنين » ، للإشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به الوصف ، ولا تحده العبارة . ولم يذكر - سبحانه - في الآية لهذه الأوصاف متعلقا ، فلم يقل « التائبون » من كذا ، لفهم ذلك من المقام ، لأن المقام في مدح المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا نفوسهم للَّه ، تعالى . فصاروا ملتزمين طاعته في كل أقوالهم وأعمالهم . وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها بقوله . « الراكعون الساجدون » للإشارة إلى أن الصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم ، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس . وإنما عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإيذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما في الغالب ، أو لما بينهما من تباين إذ الأمر بالمعروف طلب فعل ، والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف . وكذلك جاء قوله . « والحافظون لحدود اللَّه » بحرف العطف ومما قالوه في تعليل ذلك . أن سر العطف هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها ، لأنه شامل لما قبله وغيره ، ومثله يؤتى به معطوفا ، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء ، فلمغايرته لما قبله بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه « 1 » . هذا ، وما ذكرناه من أن المراد بقوله : « السائحون » أي : السائرون في الأرض للتدير والاعتبار والتفكر في خلق اللَّه ، والعمل على مرضاته . . هذا الذي ذكرناه رأى لبعض العلماء . ومنهم من يرى أن المراد بهم الصائمون ومنهم من يرى أن المراد بهم : المجاهدون . قال الآلوسي : وقوله : « السائحون » أي الصائمون . فقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر ، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين . وجاء عن عائشة : « سياحة هذه الأمة الصيام » . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ، وليس في أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم سياحة إلا الهجرة . وعن عكرمة أنهم طلبة العلم ، لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه . وقيل : هم المجاهدون في سبيل اللَّه ، لما أخرج الحاكم وصححه والطبراني وغيرهما ، عن أبي أمامة أن رجلا استأذن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في السياحة فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللَّه « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القاسمي ج 8 ص 3080 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 10 ص 31 .