تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
حقا لهم عليه ، وأثبت لهم ذلك في الكتب السماوية التي أنزلها على رسله . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : « وعدا عليه » مصدر مؤكد لمضمون الجملة وقوله « حقا » نعت له ، وقوله « عليه » في موضع الحال من قوله « حقا » لتقدمه عليه ، وقوله : « في التوراة والإنجيل والقرآن » متعلق بمحذوف وقع نعتا لقوله « وعدا » أيضا . أي : وعدا مثبتا في التوراة والإنجيل كما هو مثبت في القرآن ، فالمراد إلحاق مالا يعرف بما يعرف . إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن . ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أن أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم اشترى اللَّه منهم أنفسهم وأموالهم بذلك ، أو أن من جاهد بنفسه وماله . من حقه ذلك ، وفي كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن . . . » « 1 » . وقوله : * ( ومَنْ أَوْفى بِعَهْدِه مِنَ اللَّه ) * جملة معترضة مسوقة لتأكيد مضمون ما قبلها من حقية الوعد وتقريره : والاستفهام للنفي . أي : لا أحد أوفى بعهده من اللَّه - تعالى - لأنه إذا كان خلف الوعد لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم ، فكيف يكون الحال من جانب الخالق - عز وجل - المنزه عن كل نقص ، المتصف بكل كمال . وقوله : * ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِه وذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * تحريض على القتال ، وإعلام لهم بأنهم رابحون في هذه الصفقة . والاستبشار : الشعور بفرح البشرى ، شعورا تنبسط له أسارير الوجه . أي : إذا كان الأمر كذلك فافرحوا ببيعكم الذي بايعتم به غاية الفرح ، وارضوا به نهاية الرضى ، فإن ذلك البيع هو الفوز العظيم الذي لا فوز أعظم منه . قال بعض العلماء : ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه الآية لأنه أبرزه في صورة عقد عقده رب العزة ، وثمنه مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل إذا كانوا قاتلين أيضا لإعلاء كلمته ، ونصر دينه ، وجعله مسجلا في الكتب السماوية ، وناهيك به من صك . وجعل وعده حقا ، ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره ، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم . وهو استعارة تمثيلية ، حيث صور جهاد المؤمنين ، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة اللَّه لهم على ذلك الجنة ، بالبيع والشراء وأتى بقوله : « يقاتلون » . . بيانا لمكان التسليم وهو المعركة ، وإليه الإشارة بقوله صلى اللَّه عليه وسلم « الجنة تحت ظلال السيوف » ، ثم أمضاه بقوله « وذلك هو الفوز العظيم » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 19 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 8 ص 3273 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 410 | سيد محمد طنطاوي