تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
حسى ومعنوي ، ومن كان كذلك أحبه اللَّه ورضى عنه . ثم بين - سبحانه - أنه لا يستوي من أسس بنيانه على الحق ، ومن أسس بنيانه على الباطل فقال : * ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَه عَلى تَقْوى مِنَ اللَّه ورِضْوانٍ خَيْرٌ ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَه عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ ، فَانْهارَ بِه فِي نارِ جَهَنَّمَ . . ) * . قال صاحب الكشاف : قرئ أسّس بنيانه ، وأسّس بنيانه على البناء للفاعل والمفعول . والشفا : الحرف والشفير . وحرف الوادي : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول ، فيبقى واهيا ، والهار وهو المتصدع الذي أوشك على التهدم - وهار صفة لجرف ، أي جرف موصوف بأنه هائر أي متساقط . والمعنى : أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة ، وهي الحق الذي هو تقوى اللَّه ورضوانه « خير أم من » أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء ، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل « شفا جرف هار » في قلة الثبات والاستمساك . وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى ، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى . فإن قلت : فما معنى قوله : « فانهار به في نار جهنم » . قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل ، قيل : فانهار به في نار جهنم ، على معنى : فطاح به الباطل في نار جهنم ، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف ، وليتصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف من أودية جهنم . فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها ، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ، ولا أدل منه على حقيقة الباطل وكنه أمره » « 1 » . وقال صاحب المنار ما ملخصه : والمراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو دين الإسلام وقوته ، ودوامه ، وسعادة أهله به ، وذكره بأثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى ، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله وقرب زواله ، وخيبة صاحبه ، وسرعة انقطاع آماله . وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه هو المقصود بالذات وذكر من وصف الفريق الثاني - وهم المنافقون - الهيئة المشبه بها دون المشبه ، لأنه ذكر قبل ذلك مقاصدهم الخبيثة من بناء مسجد الضرار . وهذا من دقائق إيجاز القرآن » « 2 » . وقوله : * ( واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * أي مضت سنة اللَّه - تعالى - في خلقه أنه - سبحانه - لا يهدى إلى طريق الخير أولئك الذين استحبوا العمى على الهدى وظلموا
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 110 - بتصرف وتلخيص . ( 2 ) تفسير المنار ج 11 ص 45 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 405 | سيد محمد طنطاوي