تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
أنفسهم بوضعهم الأمور في غير مواضعها . ثم بين - سبحانه - الآثار التي ترتبت على هدم مسجد الضرار ، في نفوس هؤلاء المنافقين الأشرار فقال - تعالى - * ( لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ، إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ، واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * . الريبة : اسم من الريب بمعنى الشك والقلق والحيرة ، وتقطع - بفتح التاء - أصلها تتقطع فحذفت إحدى التاءين ، من التقطع بمعنى التمزق . وقرأ بعضهم . « تقطع » - بضم التاء - من التقطيع بمعنى التفريق والتمزيق . والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات والأحوال ، والمستثنى منه محذوف ، والتقدير : لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق في نفوسهم في كل وقت وحال إلا في وقت واحد وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت والهلاك أي : أنهم لا يزالون في قلق وحيرة ما داموا أحياء ، أما بعد موتهم فستتكشف لهم الحقائق ، ويجدون مصيرهم الأليم . والسبب في أن هذا البناء كان مثار ريبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه ، أنهم بنوه بنية سيئة ، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التي بينتها الآية الأولى . . . فكانوا يخشون أن يطلع اللَّه نبيهم على مقاصدهم الذميمة ، فهذه الخشية أورثتهم القلق والريبة ، فلما أطلع اللَّه - تعالى - نبيه على أغراضهم ، وتم هدم مسجد الضرار ، وانهار الجرف المتداعي المتساقط ، استمر قلقهم وريبهم لأنهم لا يدرون بعد ذلك ما ذا سيفعل المؤمنون بهم . وهكذا شأن الماكرين في كل زمان ومكان ، إنهم يعيشون طول حياتهم في فزع وقلق وخوف من أن ينكشف مكرهم ، ويظهر خداعهم . وقوله : * ( واللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * تذييل قصد به تهديدهم وزجرهم . أي : واللَّه - تعالى - عليم بكل شيء في هذا الكون ، وبكل ما يقوله ويفعله هؤلاء المنافقون سرا وجهرا : حكيم في كل تصرفاته وأفعاله وفي صنعه بهم ، وسيجازيهم يوم القيام بما يستحقونه من عقاب . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - وجوب بناء المساجد على تقوى من اللَّه ورضوان ، لأنها إذا بنيت على هذا الأساس ، كانت محل القبول والثواب من اللَّه ، أما إذا بنيت لأي مقصد يتنافى مع آداب الإسلام وأحكامه وتشريعاته ، فإنها تكون بعيدة عن رضا اللَّه - تعالى - وقبوله . قال بعض العلماء ، دلت الآيات على أن كل مسجد بنى على ما بنى عليه مسجد الضرار ، أنه لا حكم له ولا حركة ، ولا يصح الوقف عليه . وقد حرق الراضي باللَّه - الخليفة