تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
الجاهلية ، وقرأ علم أهل الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج كبير ، فلما قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه وصار للإسلام كلمة عالية ، وأظهرهم اللَّه يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز العداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارا إلى كفار مكة ليمالئهم على حرب المسلمين فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام « أحد » فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم اللَّه - تعالى - وكانت العاقبة للمتقين . وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأصيب في ذلك اليوم ، فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى وشج رأسه . وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ، فخاطبهم ، واستمالهم إلى نصره وموافقته . فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم اللَّه لك عينا يا فاسق يا عدو اللَّه ، ونالوا منه وسبوه . وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد دعاه إلى اللَّه قبل فراره - إلى مكة - وقرأ عليه القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد . فدعا عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه الدعوة . وذلك أنه لما فرغ الناس من « أحد » ورأى أمر الرسول صلى اللَّه عليه وسلم في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فوعده ومناه ، وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم ، أنه سيقدم بجيش ليقاتل به النبي صلى اللَّه عليه وسلم ويغلبه ، ويرده عما هو فيه . وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصدا له إذا قدم عليه بعد ذلك . فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى تبوك ، وجاؤا فسألوه أن يأتي إليهم فيصلى في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم ، وأهل العلة في الليلة الشاتية ! ! فعصمه اللَّه من الصلاة فيه فقال : « إنا على سفر ولكنا إذا رجعنا - إن شاء اللَّه - أتيناكم فصلينا لكم فيه » . فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر ، والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم . مسجد قباء . الذي أسس من أول يوم على التقوى فبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى مسجد الضرار من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 782 .