وقد بدأت السورة بالحديث عن الأنفال للمسارعة من أول الأمر بنتائج النصر الذي كفله اللَّه للمؤمنين .
وليس من تربية النفوس أن نبدأ الكلام معها بما يدل على الاضطراب والفزع والتردد أمام وسائل العزة والشرف ، متى وجد لهم بجانب هذا التردد ما يدل على مواقف الشرف والكرامة . .
ولا كذلك يكون الأمر إذا بدئت ببيان تثاقلهم في الخروج إلى الغزوة ، وانظر كيف يكون وقع المطلع إذا جاء على هذا الوجه « كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون . . . إلخ » .
لا ريب أنه مطلع شديد الوقع على النفوس ، يصور علاقة المؤمنين بنبيهم في صورة يأباها إيمانهم به وامتثالهم لأمره . يصورهم في شقاق واختلاف مع قائدهم ورسولهم ويصورهم في ثوب الكراهية الشديدة لمعالي الأمور وعز الحياة .
لهذا كله جاء الأسلوب في سرد الوقائع غير مكترث بمخالفة ترتيبها في الوجود الخارجي « 1 » .
3 - استدل جمهور العلماء بقوله - تعالى - * ( وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً ) * على أن الإيمان يزيد وينقص . .
ومن المفسرين الذين بسطوا القول في هذه المسألة الإمام الآلوسي ، فقد قال ما ملخصه :
قوله - تعالى - * ( وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه ) * أي : القرآن * ( زادَتْهُمْ إِيماناً ) * أي :
تصديقا كما هو المتبادر ، فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك .
وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص ، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، وبه أقول لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا .
بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل - أيضا - وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي ، مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة ، واللازم باطل فكذا الملزوم .
وقال النووي : إن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها ، فكذا التصديق والمعرفة يتفاضلان بحسب ظهور البراهين وكثرتها .
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص 544 لفضيلة الشيخ محمود شلتوت - رحمه اللَّه -