تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
وذهب الإمام أبو حنيفة وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، واختاره إمام الحرمين ، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان ، وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فالمصدق إذا أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا ، وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة . وذهب جماعة منهم الإمام الرازي إلى أن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما لفظي ، وهو فرع تفسير الإيمان ، فمن فسره بالتصديق قال : إنه لا يزيد ولا ينقص ، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال : إنه يزيد وينقص ، وعلى هذا قول البخاري « لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار ، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص ، وهو المعنى بما روى عن ابن عمر أنه قال . قلنا يا رسول اللَّه إن الإيمان يزيد وينقص ، قال ، نعم ، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى يدخل صاحبه النار « 1 » . ويبدو لنا أن رأى جمهور العلماء في هذه المسألة ، أولى بالقبول لأنه من الواضح أن إيمان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أرسخ وأقوى من إيمان آحاد الناس ، ولأنه كلما تكاثرت الأدلة كان الإيمان أشد رسوخا في النفس وأعمق أثرا في القلب ، فلا تزلزله الشبهات ولا تزعزعه العوارض والفتن . ومن أوضح الأدلة على أن الإيمان يقوى بقوة البرهان إلى درجة الاطمئنان ، ما حكاه اللَّه - تعالى - عن إبراهيم في قوله : وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ، قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ : بَلى ، ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 2 » . فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن مقام الطمأنينة في الإيمان ، يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالا . إن إبراهيم - عليه السلام - لا شك أنه كان مؤمنا عندما سأل ربه هذا السؤال ، سأله ذلك لينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة أعلى : وهي مرتبة عين اليقين . . . هذا ، وشبيه بهذه الآية في الدلالة على قبول الإيمان للزيادة والنقصان قوله - تعالى - : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً . . « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 9 ص ( 2 ) سورة البقرة الآية 260 . ( 3 ) سورة آل عمران الآية 173 .