تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
بقدرته ، ورباهم بنعمته ، فيفوضون أمورهم كلها إليه وحده - سبحانه - لا إلى أحد سواه ، كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله . ورحم اللَّه الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة : أي : أنهم لا يرجون سواه ، ولا يقصدون إلا إياه ، ولا يلوذون إلا بجنابه ، ولا يطلبون الحوائج إلا منه ، ولا يرغبون إلا إليه ، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه المتصرف في الملك لا شريك له ، ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب . ولهذا قال سعيد بن جبير : « التوكل على اللَّه جماع الإيمان » « 1 » . ومن الواضح عند ذوى العقول السليمة أن التوكل على اللَّه لا ينافي الأخذ بالأسباب التي شرعها - سبحانه - بل إن الأخذ بالأسباب التي شرعها اللَّه وأمر بها لبلوغ الغايات ، لدليل على قوة الإيمان ، وعلى حسن طاعته - سبحانه - فيما شرعه وفيما أمر به . وليس من الإيمان ولا من العقل ولا من التوكل على اللَّه أن ينتظر الإنسان ثمارا بدون غرس ، أو شبعا بدون أكل ، أو نجاحا بدون جهد ، أو ثوابا بدون عمل صالح . إنما المؤمن العاقل المتوكل على اللَّه ، هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها اللَّه لبلوغ الأهداف مباشرة سليمة . . ثم بعد ذلك يترك النتائج له - سبحانه - يسيّرها كيف يشاء ، وحسبما يريد . . أما الصفتان الرابعة والخامسة من صفات هؤلاء المؤمنين فهما قوله - تعالى - * ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) * . والمراد بإقامة الصلاة : أداؤها في مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وآدابها وخشوعها - من أقام الشيء إقامة إذا قومه وأزال عوجه لأن الشأن في صلاة المؤمنين أن تكون : إحساسا عميقا بالوقوف بين يدي اللَّه ، وانقطاعا تاما لمناجاته ، وتمثلا حيا لجلاله وكبريائه ، واستغراقا كاملا في دعائه . والمراد بقوله : * ( يُنْفِقُونَ ) * يخرجون ويبذلون ، من الإنفاق وهو إخراج المال وبذله وصرفه . والجملة الكريمة في محل رفع صفة للموصول في الآية السابقة أو بدل منه أو بيان له . والمعنى : أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة في مواقيتها مستوفية لأركانها وشروطها وسننها وآدابها وخشوعها . . وأنهم يبذلون أموالهم للفقراء والمحتاجين بسماحة
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 286 .