والتقييد بالمشيئة في قوله : * ( إِنْ شاءَ ) * ليس للتردد ، بل هو لتعليم المؤمنين رعاية الأدب مع اللَّه - تعالى - كما في قوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّه آمِنِينَ . ولبيان أن هذا الإغناء بإرادته - سبحانه - وحده ، فعليهم أن يجعلوا اعتمادهم عليه ، وتضرعهم إليه لا إلى غيره ، وللتنبيه على أن عطاءه سبحانه لهم ، هو من باب التفضل لا الوجوب ، لأنه لو كان واجبا ما قيده بالمشيئة .
ولما كانت مشيئته - سبحانه - تجرى حسب مقتضى علمه وحكمته ، فقد ختم الآية بقوله : * ( إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * .
أي : إن اللَّه عليم بأحوالكم ومصالحكم ، وبما يكون عليه أمر حاضركم ومستقبلكم حكيم فيما شرعه لكم . فاستجيبوا له لتنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم .
هذا ، ومن الأحكام والآداب التي استنبطها العلماء من هذه الآية ما يأتي :
1 - أن المراد بالمشركين في الآية ما يتناول عبدة الأوثان وغيرهم من أهل الكتاب . كما هو مقتضى ظاهر اللفظ ، وكما يدل عليه قوله - تعالى - إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . « 1 » .
أي : لا يغفر أن يشرك به بأي لون من ألوان الشرك .
ويرى كثير من الفقهاء أن المراد بالمشركين هنا عبدة الأوثان فحسب ، لأن الحديث خاص بهم من أول السورة إلى هنا .
2 - يرى جمهور الفقهاء أن نجاسة المشركين مرجعها إلى خبث بواطنهم لعبادتهم سوى اللَّه - تعالى - أما أبدانهم فطاهرة .
وقد بسط صاحب المنار القول في هذه المسألة فقال ما ملخصه : « قال بعضهم بنجاسة أعيان المشركين ، ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل .
حكى هذا القول عن ابن عباس والحسن البصري . . وجمهور الظاهرية . .
ويرى جمهور السلف والخلف وأصحاب المذاهب الأربعة أن أعيانهم طاهرة . لأنه من المعلوم أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم . ومع هذا فالنبي صلى اللَّه عليه وسلم لم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم . . بل الثابت أنه صلى اللَّه عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة ، وأكل من طعام اليهود . . . وأطعم هو وأصحابه وفدا من الكفار ولم يأمر بغسل الأواني التي أكلوا وشربوا فيها . .
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية 48 .