تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
أي : ثم يتوب اللَّه - تعالى - من بعد هذا التعذيب للذين كفروا في الدنيا ، على من يشاء أن يتوب عليه منهم ، بأن يوفقه للدخول في الإسلام ، واللَّه - تعالى - واسع المغفرة ، عظيم الرحمة ، لا يحاسب الكافرين بعد إيمانهم على ما حصل منهم من كفر . قال - تعالى - : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ، وإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ « 1 » . قال ابن كثير : وقوله : * ( ثُمَّ يَتُوبُ اللَّه مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ . . . ) * قد تاب اللَّه على بقية هوازن فأسلموا ، وقدموا عليه مسلمين ، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة ، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم فاختاروا سبيهم ، وكانوا ستة آلاف أسير ، ما بين صبي وامرأة فرده عليهم : وقسم الأموال بين الغانمين ، ونفل أناسا من الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام ، فأعطاهم مائة مائة من الإبل ، وكان من جملة من أعطاهم مائة من الإبل مالك بن عوف النضري واستعمله على قومه « 2 » . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ذكرت المؤمنين بجانب من نعم اللَّه عليهم . ومن رحمته بهم ، وأرشدتهم إلى أن النصر لا يتأتى لمن أعجبوا بكثرتهم فانشغلوا بها عن الاعتماد عليه - سبحانه - وإنما النصر يتأتى لمن أخلصوا للَّه سرائرهم وعلانيتهم . وباشروا الأسباب التي شرعها - سبحانه - للوصول إلى الفوز والظفر . قال ابن القيم : افتتح اللَّه - تعالى - غزوات العرب بغزوة بدر ، وختم غزوهم بغزوة حنين ، لهذا يقرن بين هاتين بالذكر ، فقال بدر وحنين وإن كان بينهما سبع سنين . . وبهاتين الغزوتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمسلمين . فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم ، والثانية استفرغت قواهم ، واستنفدت سهامهم ، وأذلت جمعهم ، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين اللَّه « 3 » . وبعد هذا التذكير والتوجيه من اللَّه - تعالى - لعباده المؤمنين . . وجه - سبحانه - إليهم نداء أمرهم فيه بمنع المشركين من قربان المسجد الحرام ، ووعدهم بالعطاء الذي يغنيهم ، فقال :
هامش
( 1 ) سورة الأنفال الآية 38 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 246 . ( 3 ) تفسير القاسمي ج 10 ص 3099 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 243 | سيد محمد طنطاوي