تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وأعجبتكم : من الإعجاب بمعنى السرور بما يتعجب منه . وسبب هذا الإعجاب أن عدد المسلمين كان اثنا عشر ألفا ، وعدد أعدائهم كان أربعة آلاف . وقوله : * ( فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ) * بيان للأثر السيئ الذي أعقب الإعجاب بالكثرة ، وأن سرورهم بهذه الكثرة لم يدم طويلا ، بل تبعه الحزن والهزيمة . وقوله : * ( تُغْنِ ) * من الغناء بمعنى النفع . تقول : ما يغنى عنك هذا الشيء ، أي : ما يجزئ عنك وما ينفعك وقوله : * ( وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) * بيان لشدة خوفهم وفزعهم . قال القرطبي : والرحب - بضم الراء - السعة . تقول منه : فلان رحب الصدر . والرحب - بالفتح - الواسع . تقول منه : بلد رحب وأرض رحبة . وقيل : الباء بمعنى مع ، أي : وضاقت عليكم الأرض مع رحبها . وقيل بمعنى على . أي : على رحبها . وقيل المعنى برحبها فتكون « ما » مصدرية « 1 » . والمعنى : اذكروا - أيها المؤمنون - نعم اللَّه عليكم ، وحافظوا عليها بالشكر وحسن الطاعة ، ومن مظاهر هذه النعم أنه - سبحانه - قد نصركم على أعدائكم مع قلتكم . في مواقف حروب كثيرة كغزوة بدر ، وغزوة بنى قينقاع والنضير . . . كما نصركم . أيضا . في يوم غزوة حنين ، وهو اليوم الذي راقتكم فيه كثرتكم فاعتمدتم عليها حتى قال بعضكم : لن نغلب اليوم من قلة . . . ولكن هذه الكثرة التي أعجبتم بها لم تنفعكم شيئا من النفع في أمر العدو بل انهزمتم أمامه في أول الأمر ، وضاقت في وجوهكم الأرض مع رحابتها وسعتها بسبب شدة خوفكم ، فكنتم كما قال الشاعر :
كأن بلاد اللَّه وهي عريضة على الخائف المطلوب كفّة حابل « 2 »
وقوله : * ( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) * تذييل مؤكد لما قبله وهو شدة خوفهم . ووليتم : من التولي بمعنى الإعراض . ومدبرين : من الإدبار بمعنى الذهاب إلى الخلف . أي : ثم وليتم الكفار ظهوركم منهزمين لا تلوون على شيء . وهكذا ، نرى الآية الكريمة تصور ما حدث من المؤمنين في غزوة حنين تصويرا بديعا
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 8 ص 101 . ( 2 ) الكفة . بالكسر . حبالة الصائد . والحابل : الذي ينصب الحبالة .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 241 | سيد محمد طنطاوي