تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد اللَّه بن هشام قال : كنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : يا رسول اللَّه لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » فقال عمر : فأنت واللَّه أحب إلى من نفسي . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « الآن يا عمر » « 1 » . ( 4 ) في الآية الثانية دليل على أنه إذا تعارضت مصلحة من مصالح الدين مع مهمات الدنيا ، وجب ترجيح جانب الدين على الدنيا ليبقى الدين سليما ، وهذا عمل لا يستطيعه إلا الأتقياء . . ولذا قال الإمام الزمخشري : وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها . كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين . فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه ، هل يجد عنده من التصلب في ذات اللَّه والثبات على دينه ، ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا ويتجرد منها لأجله ؟ أم يزوى اللَّه عنه أحقر شيء منها لمصلحته ، فلا يدرى أي طرفيه أطول ؟ ويغويه الشيطان عن أجلّ حظ من حظوظ الدين ، فلا يبالي كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره ؟ « 2 » . ( 5 ) قال بعض العلماء : وليس المطلوب . من قوله - تعالى - * ( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ . . . ) * إلخ . أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة ، ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة . . كلا إنما تريد هذه العقيدة أن يفرغ لها القلب ، ويخلص لها الحب ، وأن تكون هي المسيطرة الحاكمة ، وهي المحركة الدافعة . فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذ أن يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة ، على أن يكون مستعدا لنبذها كلها في اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة . ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع ، وأن تكون الكلمة الأولى للعقيدة أو لعرض من أعراض هذه الحياة ؟ فإذا اطمأن المسلم إلى أن قلبه خالص لعقيدته فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأبناء والإخوة والعشيرة والزوج . . ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن . ولا عليه أن يستمتع بزينة اللَّه والطيبات من الرزق . في غير سرف ولا مخيلة . بل إن المتاع حينئذ لمستحب ، باعتباره لونا من ألوان الشكر للَّه الذي أنعم بها ليتمتع بها عباده . وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب . ثم انتقلت السورة الكريمة من نهى المؤمنين عن موالاة المشركين مهما بلغت درجة قرابتهم ، وعن إيثارهم محبة الآباء والأبناء على محبة اللَّه . . انتقلت من ذلك إلى تذكيرهم بجانب من نعم
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 343 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 257 .