والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده ، وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجابه . من أعمال البر الهينة المستلذة . وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة وهي أشق العبادات البدنية والمالية « 1 » .
والسقاية والعمارة : مصدران من سقى وعمر . بتخفيف الميم .
والمراد بسقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء ، وكان العباس . رضى اللَّه عنه . هو الذي يتولى إدارة هذا العمل .
قال الجمل : السقاية هي المحل الذي يتخذ فيه الشراب في الموسم . كان يشترى الزبيب فينبذ في ماء زمزم ويسقى للناس ، وكان يليها العباس جاهلية وإسلاما ، وأقرها النبي صلى اللَّه عليه وسلم له . . ويظهر أن المراد بها هنا المصدر . أي : إسقاء الحجاج وإعطاء الماء لهم « 2 » .
والمراد بعمارة المسجد الحرام : ما يشمل العبادة فيه ، وإصلاح بنائه ، وخدمته ، وتنظيفه . . كما سبق أن بينا .
والهمزة في قوله . * ( أَجَعَلْتُمْ ) * للاستفهام الإنكارى المتضمن معنى النهى .
والكلام على حذف مضاف ، لأن العمارة والسقاية مصدران ولا يتصور تشبيههما بالأعيان ، فلا بد من تقدير مضاف في أحد الجانبين حتى يتأتى التشبيه والمعنى : أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن باللَّه واليوم الآخر ، وجاهد في سبيل اللَّه ؟ ويؤيده قراءة أجعلتم سقاة الحاج بضم السين . جمع ساق . وعمرة المسجد الحرام بفتح العين والميم جمع عامر .
وعلى هذا المعنى يكون التقدير في جانب الصفة ، ويجوز أن يكون التقدير في جانب الذات فيكون المعنى . أجعلتموهما ، أي السقاية والعمارة . كإيمان من آمن وجهاد من جاهد ؟
والخطاب يشمل بعض المؤمنين الذين آثروا السقاية والعمارة على الجهاد كما جاء في حديث النعمان . كما يشمل المشركين الذين كانوا يتفاخرون بأنهم سقاة الحجيج ، وعمار المسجد الحرام .
والمقصود من الجملة الكريمة إنكار التسوية بين العملين وبين الفريقين . وقد جاء هذا الإنكار صريحا في قوله تعالى . * ( لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّه ) * .
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 10 ص 259 .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 271 .