تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
أي : وإن يرد هؤلاء الأسرى نقض عهودهم معك - يا محمد - والاستمرار في محاربتك ومعاداتك . . فلا تهتم بهم ، ولا تجزع من خيانتهم فهم قد خانوا اللَّه - تعالى - من قبل هذه الغزوة بكفرهم وجحودهم لنعمه فكانت نتيجة ذلك أن أمكنك منهم ، وأظفرك بهم ، وسينصرك عليهم بعد ذلك كما نصرك عليهم في بدر ، واللَّه - تعالى - عليم بما يسرونه وما يعلنونه ، حكيم في تدبيره وصنعه . فالآية الكريمة إنذار للأسرى إذا ما استحبوا العمى على الهدى ، وتبشير للرسول صلى اللَّه عليه وسلم بأن خيانتهم ستكون وبالها عليهم . قال الفخر الرازي : وقوله * ( فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ) * قال الأزهري : يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف . والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، أي : أنهم خانوا اللَّه بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر . فأمكن اللَّه منهم قتلا وأسرا ، وذلك نهاية الإمكان والظفر . فنبه اللَّه بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتا حاصلا ، وفيه بشارة للرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده » « 1 » . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي حدثت عن أسرى غزوة بدر ما يأتي : 1 - أن على المؤمنين في كل زمان ومكان أن يجعلوا جهادهم خالصا لوجه اللَّه ومن أجل إعلاء كلمته ونصرة دينه ، وذلك بأن يبالغوا في قتال أعدائه وأعدائهم إذلالا للكفر وإعزازا للحق ، وأن يؤثروا كل ذلك على أعراض الدنيا ومتعها . 2 - أن أخذ الفداء من الأسرى لا شيء فيه في ذاته ، وإنما عاتب اللَّه المؤمنين على أخذه من أسرى بدر ، لأن هذه الغزوة كانت المعركة الأولى بين المؤمنين والمشركين ، وكان إذلال المشركين فيها عن طريق المبالغة في قتلهم أهم من أخذ الفداء منهم ، وأظهر في كسر شوكتهم ، وعجزهم عن معاودة الكرة على المسلمين . قال ابن كثير . وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء ، أن الإمام مخير فيهم ، إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين ، كما فعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبى سلمة بن الأكوع ، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين ، وإن شاء استرق من أسر .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 15 ص 206 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 163 | سيد محمد طنطاوي