تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى . وأما القسم الثاني : فهم الأنصار من أهل المدينة . والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا . والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية . وقد عبر - سبحانه - عن القسمين : الأول والثاني بقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا . . . ) * . أي : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) * باللَّه - تعالى - حق الإيمان * ( وهاجَرُوا ) * أي تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا . من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن أجل نشر دين اللَّه في الأرض * ( وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه ) * أي : أنهم مع إيمانهم الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء للَّه - تعالى - ، قد بالغوا في إتعاب أنفسهم من أجل نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا في سبيل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما في سبيل مرضاة اللَّه ونصرة دينه . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من المؤمنين وهم الذين سبقوا إلى الهجرة . بأعظم الصفات وأكرمها . فقد وصفهم بالإيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرارا بدينهم من الفتن ، وبالمجاهدة بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة اللَّه . وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو الإيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد . ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال . وقوله * ( فِي سَبِيلِ اللَّه ) * متعلق بقوله * ( جاهَدُوا ) * لإبراز أن جهادهم لم يكن لأي غرض دنيوي ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه - وقوله : * ( والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا ) * بيان للقسم الثاني من أقسام المؤمنين في العهد النبوي ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أنفسهم ، ونصروهم على أعدائهم . فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين . أولهما : الإيواء الذي يتضمن معنى التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو الملجأ والمأمن مما
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 166 | سيد محمد طنطاوي