إن الآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع ، والهول المرعب ، الذي يكفى السماع به للهرب والشرود ، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد ؟
إنها الضربة المروعة ، يأمر اللَّه - تعالى - رسوله أن ينزلها على رأس كل مستحق لها بسبب كفره وتلاعبه بالعهود . . وبذلك تبقى لدين اللَّه هيبته وسطوته .
هذا هو حكم المصرين على كفرهم الناقضين لعهودهم . . أما الذين تخشى منهم الخيانة فقد بين - سبحانه - حكمهم بقوله : * ( وإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ، إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) * .
وقوله : * ( تَخافَنَّ ) * من الخوف والمراد به هنا العلم .
وقوله : * ( فَانْبِذْ ) * من النبذ بمعنى الطرح ، وهو مجاز عن إعلامهم بأنهم لا عهد لهم بعد اليوم ، فشبه - سبحانه - العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه ، وثبت النبذ له على سبيل التخييل ، ومفعول « فانبذ » محذوف أي : فانبذ إليهم عهودهم .
قال الجمل : وقوله : * ( عَلى سَواءٍ ) * حال من الفاعل والمفعول معا ، أي : فاعل الفعل وهو ضمير النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومفعوله وهو المجرور بإلى .
أي : حال كونكم مستوين في العلم بطرح العهد . فعلمك أنت به لأنه فعل نفسك ، وعلمهم به بإعلامك إياهم ، فكأنه قيل في الآية : فانبذ عهدهم وأعلمهم بنبذه ، ولا تقاتلهم بغتة لئلا يتهموك بالغدر وليس هذا من شأنك ولا من صفاتك » « 1 » .
والمعنى : وإما تعلمن - يا محمد - من قوم بينك وبينهم عهد أنهم على وشك نقضه منهم ، بأمارات تلوح لك تدل على غدرهم ، فاطرح إليهم عهدهم على طريق مستو ظاهر : بأن تعلمهم بنبذك عهدهم قبل أن تحاربهم ، حتى تكون أنت وهم في العلم بنبذ العهد سواء ، لأن اللَّه - تعالى - لا يحب الخائنين وإن من مظاهر الخيانة التي يبغضها اللَّه - تعالى - أن يحارب أحد المتعاهد معه دون أن بعلمه بإنهاء عهده .
قال ابن كثير : قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب منها ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول : اللَّه أكبر اللَّه أكبر ، وفاء لا غدرا : إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ، ولا يشدها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء » .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 252 .