تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
به الناس من تعقل وتدبر للأمور ، لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس ، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلا خاصا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء ، وفي وصفه - سبحانه - لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم ، لأنهم ليسوا دواب فحسب بل هم شرها وأخسها . وقوله : * ( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * تذييل جيء به على وجه الاعتراض بالبيان أي : أنهم - بسبب إصرارهم على الكفر - صار الإيمان بعيدا عنهم ، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد . وقوله : * ( الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . . ) * بدل من الموصول الأول وهو قوله : * ( الَّذِينَ كَفَرُوا . . ) * أو عطف بيان له . أي : إن شر الدواب عند اللَّه الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه ، الذين * ( عاهَدْتَ مِنْهُمْ ) * أي : أخذت منهم عهدهم ، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة دون أن يفوا بعهودهم ولو مرة واحدة من المرات المتعددة . فقوله : * ( عاهَدْتَ ) * مضمن معنى الأخذ ، ولذا عدى بمن . قال الآلوسي : قوله : * ( الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ . . ) * بدل من الموصول الأول ، أو عطف بيان ، أو نعت ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو نصب على الذم ، وعائد الموصول قيل : ضمير الجمع المجرور ، والمراد : عاهدتهم ، ومن للإيذان بأن المعاهدة - التي هي عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين - معتبرة هنا من حيث أخذه صلى اللَّه عليه وسلم ، إذ هو المناط لما نعى عليهم من النقض ، لا إعطاؤه - عليه الصلاة والسلام إياهم عهده كأنه قيل : الذين أخذت منهم عهدهم ، وقال أبو حيان : تبعيضية ، لأن المباشر بعضهم لا كلهم . . » « 1 » . وقوله : * ( ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ) * معطوف على الصلة . وكان العطف « بثم » المفيدة للتراخي ، للإيذان بالتفاوت الشديد بين ما أخذ عليهم من عهود ، وبين ما تردوا فيه من نقض لها ، واستهانة بها . وجئ بصيغة المضارع * ( يَنْقُضُونَ ) * المفيدة للحال والاستقبال ، للدلالة على تعدد النقض وتجدده ، وأنهم على نيته في كل مرة يعاهدون فيها غيرهم . وقوله : * ( وهُمْ لا يَتَّقُونَ ) * في موضع الحال من فاعل * ( يَنْقُضُونَ ) * . أي : أن هؤلاء القوم دأبهم نقض العهود والمواثيق في كل وقت ، ومع ذلك فحالهم وشأنهم
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 10 ص 22 .