تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وقوله * ( يَحْسَبَنَّ ) * من الحسبان بمعنى الظن ، وقد قرأ ابن عامر وحفص وحمزة « يحسبن » بالياء ، وقرأ الباقون بالتاء . وقوله : * ( يُعْجِزُونَ ) * من العجز ، وأصله - كما يقول الراغب - : التأخر عن الشيء . . ثم صار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء ، وهو ضد القدرة . . . والعجوز سميت بذلك لعجزها في كثير من الأمور . . » « 1 » . والمعنى - على القراءة بالياء - : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أنهم قد سبقوا اللَّه فنجوا من عقابه ، وخلصوا من عذابه . . كلا إن حسبانهم هذا باطل - لأنهم لا يعجزون اللَّه ، بل هو - سبحانه - قادر على إهلاكهم وتعذيبهم في كل وقت . . . وأن نجاتهم من القتل أو الأسر في الدنيا لن تنفعهم شيئا من العذاب المهين في الآخرة . وعلى هذه القراءة يكون فاعل * ( يَحْسَبَنَّ ) * قوله * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * ويكون المفعول الأول ليحسبن محذوف أي : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم ، والمفعول الثاني جملة * ( سَبَقُوا ) * . وأما على القراءة الثانية ولا تحسبن فيكون قوله * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * هو المفعول الأول . وجملة * ( سَبَقُوا ) * هي المفعول الثاني . أي : ولا تحسبن - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء الكافرين قد سبقونا بخيانتهم لك ، أو أفلتوا من عقابنا وصاروا في مأمن منا . . . كلا ، إنهم لا يعجزوننا عن إدراكهم وإنزال العقوبة بهم في أي وقت نريده فنحن لا يعجزنا شيء . . وعلى كلتا القراءتين فالمقصود من الآية الكريمة قطع أطماع الكافرين في النجاة ، وإقناطهم من الخلاص ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن من لم يصبه عذاب الدنيا ، فسوف يصيبه عذاب الآخرة ، ولا مفر له من ذلك ما دام قد استحب الكفر على الإيمان ، أما المؤمنون فلهم من اللَّه - تعالى - التأييد والنصر وحسن العاقبة . ثم أمر - سبحانه - المؤمنين باعداد وسائل القوة التي بها يصلون إلى النصر ، وإلى بعث الرعب في قلوب أعدائهم . . فقال - عز وجل - :
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن ج 322 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 138 | سيد محمد طنطاوي