تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
ثم قال تعالى : * ( وكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا : أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا . أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) * . والمعنى : ومثل ذلك الفتن . أي الابتلاء والاختبار ، جعلنا بعض البشر فتنة لبعض ، ليترتب على هذه الفتن أن يقول المفتونون الأقوياء في شأن الضعفاء : أهؤلاء الصعاليك خصهم اللَّه بالإيمان من بيننا ! وقد رد اللَّه عليهم بقوله * ( أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) * أي : أليس هو بأعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم . والكاف في قوله * ( وكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) * في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير : ومثل ذلك الفتون المتقدم الذي فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمم ببعض ، ومن مظاهر ذلك أننا ابتلينا الغنى بالفقير ، والفقير بالغنى ، فكل واحد مبتلى بضده ، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم ، فامتنعوا عن الدخول في الإسلام لذلك ، فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم وأما فتنة الفقراء بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب عيشهم . فكان ذلك فتنة لهم « 1 » . واللام في قوله * ( لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ) * تعليلية لأنها هي للباعث على الاختبار أي : ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا . والاستفهام في قوله * ( أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) * للتقرير على أكمل وجه لأنه سبحانه محيط بكل صغير وكبير ودقيق وجليل . وكذلك تكون الآيات الكريمة قد قررت أن الفضل ليس بالغنى ولا بالجاه ولا بالقوة في الدنيا ، ولكنه بمقدار شكر اللَّه على ما أنعم ، وأنه سبحانه هو العالم وحده بمن يستحق الفضل علما ليس فوقه علم .
هامش
( 1 ) حاشية الجمل ج 2 ص 34 .