تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
قال الإمام الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين . ذكر في هذه الآية أنه - تعالى - نهى عن سلوك سبيلهم فقال : إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون اللَّه ، وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير . وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل ، وأيضا فالقوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه ، فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى ومضادة للهدى « « 1 » . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك أن تركن إليهم : إن اللَّه نهاني وصرفني بفضله ، وبما منحني من عقل مفكر عن عبادة الآلهة التي تعبدونها من دون اللَّه ، وقل - أيضا - لهم بكل صراحة وقوة : إني لست متبعا لما تمليه عليكم أهواؤكم وشهواتكم من انقياد للأباطيل ، ولو أنى ركنت إليكم لضللت عن الحق وكنت خارجا عن طائفة المهتدين . فالآية الكريمة قطعت بكل حسم ووضوح أطماعهم الفارغة في استمالة النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى أهوائهم ، ووصمتهم بأنهم في الضلال غارقون ، وعن الهدى مبتعدون . وجاءت كلمة * ( نُهِيتُ ) * بالبناء للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهوره أي : نهاني اللَّه - تعالى - عن ذلك . وأجرى على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكى اعتقادهم . قال أبو حيان : و « تدعون » معناه تعبدون : وقيل معناه تسمونهم آلهة من دعوت ولدي زيدا أي سميته بهذا الاسم . وقيل تدعون في أموركم وحوائجكم وفي قوله تدعون من دون اللَّه استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا منه على غير بصيرة ، ولفظة نهيت أبلغ من النفي بلا أعبد إذ ورد فيه ورود تكليف « « 2 » . وجملة * ( قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ) * مستأنفة ، وعدل بها عن العطف إلى الاستئناف لتكون غرضا مستقلا ، وأعيد الأمر بالقول زيادة في الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفي شاملا للاتباع في عبادة الأصنام وفي غيرها من ألوان ضلالهم كطلبهم طرد المؤمنين من مجلسه ، وعبر بقوله * ( قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ) * دون لا أتبعكم . للإشارة إلى أنهم في عبادتهم لغير اللَّه تابعون
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 54 طبعة المطبعة الشرفية 1324 . ( 2 ) البحر المحيط لأبى حيان ج 4 ص 142 .