تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
والاستفهام للإنكار ونفى الوقوع ، أي : كما أنه لا يتساوى أعمى العينين وبصيرهما ، فكذلك لا يتساوى المهتدى والضال والرشيد والسفيه ، بل إن الفرق بين المهتدى والضال أقوى وأظهر ، لأنه كم من أعمى العينين وبصير القلب هو من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء وكم من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من الأنعام ، ولذا قرعهم اللَّه - تعالى - بقوله : * ( أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ) * ؟ أي : أفلا تتفكرون في ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام ، وبين صفات الرب وصفات الإنسان . والاستفهام هنا للتحريض على التفكر والتدبر . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يجتهد في إنذار قوم يتوقع منهم الصلاح والاستجابة للحق ، بعد أن أمره قبل ذلك بتوجيه دعوته إلى الناس كافة فقال تعالى : * ( وأَنْذِرْ بِه الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِه وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * . والمعنى : عظ وخوف يا محمد بهذا القرآن أولئك الذين يخافون شدة الحساب والعقاب ، وتعتريهم الرهبة عندما يتذكرون أهوال يوم القيامة لأنهم يعلمون أنه يوم لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة ، فهؤلاء هم الذين ترجى هدايتهم لرقة قلوبهم وتأثرهم بالعظات والعبر . فالمراد بهم المؤمنون العصاة الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ولذا قال ابن كثير : * ( وأَنْذِرْ بِه الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ ) * أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، والذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب أي : يوم القيامة ، * ( لَيْسَ لَهُمْ ) * يومئذ مِنْ دُونِ اللَّه وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ أي : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم * ( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم اللَّه به يوم القيامة من عذابه ويضاعف لهم الجزيل من ثوابه ) « 1 » . ثم أمر اللَّه تعالى رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يقرب فقراء المسلمين من مجلسه لأنهم مع فقرهم أفضل عند اللَّه من كثير من الأغنياء . فقال تعالى : * ( ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه ) * . أي : لا تبعد أيها الرسول الكريم عن مجالسك هؤلاء المؤمنين الفقراء الذين يدعون ربهم صباح مساء ، ويريدون بعملهم وعبادتهم وجه اللَّه وحده بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك فهم أفضل عند اللَّه من الأغنياء المتغطرسين والأقوياء الجاهلين . وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما جاء عن ابن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار فقالوا : يا محمد
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 124 .