والمعنى : ما تركنا في الكتاب شيئا لم نحصه ولم نثبته ، وإنما أحطنا بكل شيء علما ، وليس من مخلوق صغر أو كبر في هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة أمام خالقه .
فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم اللَّه - تعالى - وكمال قدرته ، لتكون كالدليل على أنه - سبحانه - قادر على تنزيل الآية التي اقترحوها ، وإنما لم ينزلها لأن حكمته تقتضي ذلك .
وجملة * ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) * معترضة لتقرير مضمون ما قبلها .
والتعبير بثم في قوله * ( ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) * للإشارة إلى أنهم أعداد لا يحصيها العد ، وجمعهم ليس يسيرا في ذاته ، وإن كان بالنسبة لقدرته - تعالى - أمرا هينا .
ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها . ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله - تعالى - : وإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ . وفي الحديث الشريف عن أبي ذر الغفاري أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم رأى شاتين تتناطحان فقال : يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان ؟ قال : لا . قال :
ولكن اللَّه يدرى وسيقضي بينهما .
ثم قال - تعالى - : * ( والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ ) * .
أي : مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم الذي لا يسمع ، والأبكم الذي لا يتكلم وهو مع ذلك في ظلمات لا يبصر ، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال .
ففي التعبير القرآني استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن كل دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون في الظلام من حيث لا نور يهديهم .
ثم قال - تعالى - : * ( مَنْ يَشَأِ اللَّه يُضْلِلْه ومَنْ يَشَأْ يَجْعَلْه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * .
أي : من يشأ اللَّه له الضلالة أضله بأن يجعله يسير في طريق هواه بسبب إعراضه عن طريق الخير ، وإيثاره العمى على الهدى ، ومن يشأ اللَّه له الهداية يهده ، لأنه قد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . فالهداية والضلالة ليسا إجباريين لا اختيار للعبد فيهما ، وإنما الحق أن للعبد اختيارا في الطريق الذي يسلكه ، فإن كان خيرا خطا فيه إلى النهاية ، وإن كان شرا سار فيه إلى الهاوية .
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين عندما تحيط بهم المصائب والأهوال لا يتوجهون بالضراعة والدعاء إلا إلى اللَّه ، وأنهم مع ذلك لا يخصونه بالعبادة كما يخصونه بالدعاء لكشف الضر ، فقال - تعالى - :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 71
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٧١