ثم أكد - سبحانه - أنهم عند الشدائد والكروب لا يلجئون إلا إلى اللَّه فقال - تعالى - :
* ( بَلْ إِيَّاه تَدْعُونَ ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْه إِنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ) * .
بل للإضراب الانتقالى عن تفكيرهم وأوهامهم ، أي : بل تخصونه وحده بالدعاء دون الآلهة ، فيكشف ما تلتمسون كشفه إن شاء ذلك ، لأنه هو القادر على كل شيء * ( وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ) * أي : تغيب عن ذاكرتكم عند الشدائد والأهوال تلك الأصنام الزائفة والمعبودات الباطلة .
وقدم - سبحانه - المفعول على الفعل في قوله : * ( بَلْ إِيَّاه تَدْعُونَ ) * لإفادة الاختصاص ، أي : لا تدعون إلا إياه ، وذلك يدل على أن المشركين مهما بلغ ضلالهم فإنهم عند الشدائد يتجهون بتفكيرهم إلى القوة الخفية الخالقة لهذا الكون .
وفي قوله : * ( فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ ) * استعارة حيث شبه حال إزالة الشر بحال كشف غطاء غامر مؤلم بجامع إزالة الضر في كل وإحلال السلامة محله .
والمقصود فيكشف الضر الذي تدعونه أن يكشفه : فالكلام على تقدير حذف مضاف .
وجواب الشرط لقوله : * ( إِنْ شاءَ ) * محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه ، أي إن شاء أن يكشف الضر كشفه ، لأنه - سبحانه - لا يسأل عما يفعل .
ثم أخذ القرآن في تسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم وفي بيان أحوال الأمم الماضية فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) * .
البأساء : تطلق على المشقة والفقر الشديد ، وعلى ما يصيب الأمم من أزمات تجتاحها بسبب الحروب والنكبات . والضراء . تطلق على الأمراض والأسقام التي تصيب الأمم والأفراد .
والمعنى : ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى أقوامهم ، فكان هؤلاء الأقوام أعتى من قومك في الشرك والجحود ، فعاقبناهم بالفقر الشديد والبلاء المؤلم ، لعلهم يخضعون ويرجعون عن كفرهم وشركهم .
فالآية الكريمة تصور لونا من ألوان العلاج النفسي الذي عالج اللَّه به الأمم التي تكفر بأنعمه ، وتكذب أنبياءه ورسله ، إذ أن الآلام والشدائد علاج للنفوس المغرورة بزخارف الدنيا ومتعها إن كانت صالحة للعلاج .
ولقد بين - سبحانه - بعد ذلك . أن تلك الأمم لم تعتبر بما أصابها من شدائد فقال :
* ( فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ، ولكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * .
ولولا هنا للنفي ، أي أنهم ما خشعوا ولا تضرعوا وقت أن جاءهم بأسنا .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 73
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٧٣