تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
لا يغالبه أحد في فعل من الأفعال ، ولا يقع منه خلف في قول من الأقوال ، فما دام المؤمنون يخلصون له العبادة والقول والعمل ويجتهدون في مباشرة الأسباب واتخاذ الوسائل النافعة ، فإنه - سبحانه - سيجعل العاقبة لهم . وقوله - تعالى - * ( ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ) * تأكيد وتقرير لما قبله أي : ولقد جاءك من أخبار المرسلين وأنبائهم - مما قصه عليك في كتابه - ما فيه العظات والعبر ، فلقد صبر المرسلون على الأذى فكافأهم اللَّه - تعالى - على ذلك بالظفر على أعدائهم . ثم بين - سبحانه - أنه لا سبيل إلى إيمان هؤلاء الجاحدين إلا بمشيئة اللَّه وإرادته فقال * ( وإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ) * . كبر عليك : أي شق وعظم عليك . والنفق : السرب النافذ في الأرض الذي يخلص إلى مكان . والمعنى : وإن كان - يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سببا في إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقا في جوف الأرض ، أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئا لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عنادا وجحودا . ثم قال - تعالى - * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) * . أي : لو شاء اللَّه جمعهم على ما جئت به من الهدى والرشاد لفعل ، بأن يوفقهم إلى الإيمان فيؤمنوا ، ولكن اللَّه لم يشأ ذلك لأنهم بسوء اختيارهم آثروا الحياة الدنيا ، فلا تكونن من الجاهلين بحكمة اللَّه في خلقه ، وبسننه التي اقتضاها علمه . ثم بين - سبحانه - من هم أهل للإيمان والاستجابة للحق فقال : * ( إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) * أي : إنما يستجيب لك أيها الرسول الكريم أولئك الذين يسمعون توجيهك وأقوالك سماع تدبر وتفهم وتأثر ، أما هؤلاء الذين يعاندونك فقد طبع اللَّه على قلوبهم فهم لا يفقهون . فالمراد بالاستجابة هنا ، الإجابة المقرونة بالتفكر والتأمل ، فهي إجابة محكمة دقيقة لأنها أنت بعد استقراء وتدبر وهذا ما تدل عليه السين . ثم بين - سبحانه - حال الكفار فقال : * ( والْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّه ثُمَّ إِلَيْه يُرْجَعُونَ ) * أي : وموتى