القلوب الذين لا يسمعون سماع تدبر وتقبل وهم المشركون ، سيبعثهم اللَّه من قبورهم يوم القيامة ويحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الباطلة وأعمالهم السيئة .
فالمراد بالموتى هنا الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم - سبحانه - بموتى الأجساد ، وهذا من باب التهكم بهم والتحقير من شأنهم .
وقيل : إن لفظ الموتى على حقيقته وأن اللَّه - تعالى - بقدرته النافذة سيبعث الجميع يوم القيامة ويرجعهم إليه فيجازى الذين أساؤا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التي تذرع بها المشركون تعنتا ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم ، وبما يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال - تعالى - :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 37 إلى 39 ]
وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْه آيَةٌ مِنْ رَبِّه قُلْ إِنَّ اللَّه قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْه إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّه يُضْلِلْه ومَنْ يَشَأْ يَجْعَلْه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 )
و * ( لَوْ لا ) * هنا تحضيضية بمعنى هلا . والمعنى : وقال أولئك الكافرون : هلا نزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار ، وفلق البحر ، ونزول الملائكة معك . . إلخ .
فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة خالدة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الأنبياء السابقين .
وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من الآيات ، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه ، حتى لكأنه لم ينزل عليه شيء عنادا وجحودا منهم .
وفي قولهم - كما حكى القرآن عنهم - * ( لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْه آيَةٌ مِنْ رَبِّه ) * ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب ، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى اللَّه تعالى ، لأنه إذا كان رسولا من عنده ، فليجب له هذا الطلب الذي نتمناه ونكون من بعده مؤمنين .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 69
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٦٩