عموم البلوى مما يخفف وقعها فقال : * ( ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ) * .
أي : أن الرسل من قبلك - يا محمد - قد كذبتهم أقوامهم وأنزلت بهم الأذى ، فليس بدعا أن يصيبك من أعدائك ما أصاب الأنبياء من قبلك ، ولقد صبر أولئك الأنبياء الكرام على التطاول والسفه فكانت نتيجة صبرهم أن آتاهم اللَّه النصر والظفر ، فعليك - وأنت خاتمهم وإمامهم - أن تصبر كما صبروا حتى تنال ما نالوا من النصر ، فإن سنة اللَّه لا تتخلف في أي زمان أو مكان .
وجاء قوله - تعالى - * ( ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) * مؤكدا بقد وباللام ، للإشارة إلى تأكيد التسلية والتعزية ، وإلى تأكيد التمسك بفضيلة الصبر التي سيعقبها النصر الذي وعد اللَّه به الصابرين .
و * ( ما ) * في قوله * ( عَلى ما كُذِّبُوا ) * مصدرية ، * ( وأُوذُوا ) * معطوف على قوله * ( كُذِّبَتْ ) * أي :
كذبت الرسل وأوذوا فصبروا على كل ذلك .
وقوله * ( حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ) * غاية للصبر ، أي : صبروا على التكذيب وما قارنه من الإيذاء إلى أن جاءهم نصرنا وفيه بشارة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم مؤكدا للتسلية بأنه - سبحانه - سينصره على القوم الظالمين .
وقوله - تعالى - * ( ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّه ) * معناه : لا مغير لكلمات اللَّه وآياته التي وعد فيها عباده الصالحين بالنصر على أعدائه ، ومن ذلك قوله - تعالى - كَتَبَ اللَّه لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي إِنَّ اللَّه قَوِيٌّ عَزِيزٌ » .
وقوله - تعالى - ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ « 2 » . وقوله - تعالى - إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ « 3 » . إلى غير ذلك من الآيات التي بشر فيها عباده المؤمنين بالفلاح وحسن العاقبة .
ويرى المحققون من العلماء أن المراد بكلمات اللَّه : شرائعه ، وصفاته ، وأحكامه ، وسننه في كونه ، ويدخل فيها دخولا أولياء ما وعد اللَّه به أنبياءه وأولياءه من النصر والظفر . وهذا الرأي أرجح من سابقه لأنه أعم وأشمل .
وإضافة الكلمات إليه - سبحانه - للإشعار باستحالة تبديلها أو تغييرها لأنه - سبحانه -
هامش
( 1 ) سورة المجادلة الآية 21 .
( 2 ) سورة الصافات الآيات 171 ، 172 ، 173 .
( 3 ) سورة غافر الآية 51 .