قال القرطبي : وهذا هو من المقصود من الكتب : العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان فحسب ، فقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوى إلى شيء منه » « 1 » .
و « لعل » في قوله * ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) * إما للتعليل فيكون المعنى : خذوا الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة لتتقوا الهلاك في دنياكم وآخرتكم . وإما للترجى ، وهو منصرف إلى المخاطبين فيكون المعنى : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين .
ولكن بني إسرائيل لم يذكروا ولم يتدبروا بل نقضوا العهد ، ولجوا في المعصية ، فاستحقوا لعنة اللَّه وغضبه ، وما ربك بظلام للعبيد .
وبذلك تكون سورة الأعراف قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - من مطلعها إلى هنا عن هداية القرآن الكريم ، وعن يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، وجنة ونار ، وعن النداءات التي وجهها اللَّه - تعالى - لبنى آدم تذكيرا وتوجيها وتعليما حتى يسعدوا في دينهم ودنياهم ، وعن أحوال السعداء والأشقياء في الآخرة وما يدور بينهم من مناقشات ومحاورات ، وعن قصة آدم وإبليس وعن قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أقوامهم ، ثم أفاضت السورة الكريمة في حديثها عن قصة موسى مع فرعون ومع بني إسرائيل .
والهدف الأول الذي قصدته السورة مما عرضته من قصص وتوجيهات وإرشادات هو إثبات وحدانية اللَّه ، وإخلاص العبادة له ، وحمل الناس على السير في الطريق المستقيم ، وقد استعملت السورة في عرضها لتلك الحقائق أساليب الترغيب والترهيب ، والتذكير بالنعم والتحذير من النقم ، وإقامة الحجج ودفع الشبه .
ثم بدأت السورة بعد أن انتهت من حديثها عن بني إسرائيل وحتى نهايتها تحدثنا عن قضية التوحيد من زاوية جديدة عميقة ، زاوية الفطرة التي فطر اللَّه عليها البشر ، ولنتصاحب سويا - أيها القارئ الكريم - متأملين فيما ساقته لنا السورة الكريمة في الربعين الأخيرين منها من آيات تزخر بالأدلة العقلية والمنطقية التي تثبت وحدانية اللَّه وتبطل الشرك والشركاء ، مستعينة في ذلك بما تهدى إليه الفطرة البشرية والطبيعة الانسانية .
تدبر معي قوله - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 437 .