وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعته ، وبما أودع في قلوبهم من غريزة الإيمان ، وفي عقولهم من مدارك تهديهم إلى معرفة ربهم وخالقهم .
وقوله : * ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) * مقول لقول محذوف : أي : قائلا لهم - بعد أن أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل الوحدانية - ألست بربكم ، ومالك أمركم ، ومربيكم على الإطلاق ، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شئونكم * ( قالُوا بَلى شَهِدْنا ) * أي : قالوا بلى شهدنا على أنفسنا عن عقيدة وإقناع بأنك أنت ربنا وخالقنا ولا رب لنا سواك ، فإن آثار رحمتك وعجائب خلقك ، ومظاهر قدرتك تجعلنا لا نتردد في هذه الشهادة .
و * ( بَلى ) * حرف جواب ، وتختص بالنفي فلا تقع إلا جوابه فتفيد إبطاله سواء أكان مجردا أم مقرونا بالاستفهام ولذلك قال ابن عباس وغيره ، لو قالوا نعم لكفروا . لأن نعم حرف تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب .
قال صاحب الكشاف : وقوله : * ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) * من باب التمثيل ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم ؟ وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك ، وباب التمثيل واسع في كلام اللَّه - تعالى - وفي كلام رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفي كلام العرب . ونظيره قوله تعالى - إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ وقوله فَقالَ لَها ولِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . ومعلوم أنه لا قول ثم وإنما تمثيل وتصوير للمعنى « « 1 » .
والمقصود من الآية الكريمة الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته - تعالى - معرفة فطرية لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة . قال - تعالى - : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه .
والفطرة هي معرفة ربوبيته - سبحانه - :
وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطرهم اللَّه - تعالى - على معرفته ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : ما من مولود الا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة جمعاء - أي سالمة الأذن - هل تحسون فيها من جدعاء - أي مقطوعة الأذن .
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : يقول اللَّه - تعالى - إني
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 177 .