خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم - أي صرفتهم عن دينهم - وحرمت عليهم ما أحللت لهم » .
وروى الطبري عن الحسن الأسود بن سريع قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها » ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالي للآية الكريمة أن اللَّه - تعالى - نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته - ومنها أنفسهم - دلائل توحيده وربوبيته ، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد .
فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم اللَّه - تعالى - على معرفته والإيمان به ، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته ، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل .
وعلى هذا الرأي سار المحققون من مفسري السلف والخلف :
ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة : أن اللَّه - تعالى - مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذر ، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق ، وألهمهم ذلك الإقرار ، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم ، واستشهدوا لذلك بأحاديث وآثار ليست صحيحة الاسناد ، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق مع منطوق الآية الكريمة .
وقد رد أصحاب الرأي الأول على هذا البعض بردود منها : أن اللَّه - تعالى قال : * ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ) * ولم يقل من آدم ، وقال * ( مِنْ ظُهُورِهِمْ ) * ولم يقل من ظهره ، وقال * ( ذُرِّيَّتَهُمْ ) * ولم يقل ذريته . قال * ( إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ) * ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك ، لأن آدم حاشاه من الشرك باللَّه - تعالى :
قال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عددا كبيرا من الأحاديث في هذا المعنى : ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض والأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك « « 1 » .
ثم بين - سبحانه - سبب الاشهاد وعلله فقال : * ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) * أي : فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا ، أو منعا من أن تقولوا يوم القيامة معتذرين عن شرككم : إنا كنا عن هذا الأمر وهو إفراد اللَّه - تعالى - بالربوبية غافلين لم ننبه إليه ، لأنهم
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 264 .