ولا ينقضوا عهده ، ولا يتجاوزوا حدوده ، وقد درس هؤلاء الكتاب ، أي : قرؤه وفهموه ، ولكنهم لم يعملوا بما أخذ عليهم من عهود ولم يتبعوا أوامر كتابهم ونواهيه ، لأنهم درسوه ولم يتأثروا به ، ولم تخالط تعاليمه شغاف قلوبهم ، فضيعوه واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون .
وقوله * ( أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقَّ ) * بدل من ميثاق الكتاب أو عطف بيان له . وقيل إنه مفعول لأجله أي : لئلا يقولوا .
وجملة * ( ودَرَسُوا ما فِيه ) * معطوفة في المعنى على قوله تعالى * ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ) * أي أن اللَّه تعالى قد أخذ عليهم الميثاق في التوراة ودرسوه .
قال ابن دريد : ( كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب اللَّه فيحكمون له به ، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له « 1 » .
ثم بين اللَّه لهم أن ما أعده في الآخرة للمتقين الذين يتعففون عن السحت وعن أكل أموال الناس بالباطل خير من متاع الدنيا وزهرتها الذي آثره هؤلاء الذين يفترون على اللَّه الكذب فقال تعالى : * ( والدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * أي : والدار الآخرة وما أعده فيها من نعيم لأولئك الذين يتقونه حق تقاته في السر والعلن ، خير من عرض هذا الأدنى الذي استحله هؤلاء اليهود بدون حق وآثروه على ما عند اللَّه من نعيم مقيم وثواب جزيل * ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) * - يا من أكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم سيغفر اللَّه لنا ذنوبنا - هذا الحكم الواضح ، الذي لا يخفى على ذي عقل سليم ، لم تطمسه الشهوات ، ولم يستحوذ عليه الشيطان .
وفي هذا إشارة إلى أن الطمع في متاع الحياة الدنيا هو الذي جعل بني إسرائيل يقولون على اللَّه غير الحق . ويتشبعون من المال الحرام بدون تعفف ويبيعون دينهم بدنياهم .
قال الإمام الآلوسي : ( والمراد من الآية توبيخ أولئك الورثة على بتهم القول بالمغفرة مع إصرارهم على الذنوب وجاء البت من السين فإنها للتأكيد كما نص عليه المحققون ، وعن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - إنهم وبخوا على إيجابهم على اللَّه - تعالى - غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ثم لا يتوبون منها .
وقد أطبق أهل السنة على ذم المتمنى على اللَّه ، ورووا عن شداد بن أوس أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللَّه الأماني ) ومن هنا قيل : إن القوم ذموا بأكلهم أموال الناس بالباطل وباتباعهم أنفسهم هواها
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 7 ص 312 .