تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
كتاب اللَّه وهو التوراة فقرأوه وتعلموه ، ووقفوا على ما فيه من تحليل وتحريم وأمر ونهى ولكنهم لم يتأثروا به بل خالفوا أحكامه ، واستحلوا محارمه مع علمهم بها ، فهم يتهافتون على حطام الدنيا ومتاعها ويتقبلون المال الحرام بشراهة نفس . ويأكلون السحت أكلا لما ويقولون وهم والغون في المعاصي ومصرون على الذنوب : إن اللَّه سيغفر لنا ذنوبنا ولا يؤاخذنا بما أكلنا من أموال ، لأننا من نسل أنبيائه ، فنحن شعبه الذي اصطفاه من سائر البشر ، إلى غير ذلك من الأقاويل التي يفترونها على اللَّه وهم يعلمون . وجملة * ( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأَدْنى ) * مستأنفة لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم إياه . وقيل : هي حال من الضمير في ورثوا . ثم أخبر - سبحانه - عنهم بأنهم أهل إصرار على ذنوبهم ، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة فقال تعالى : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ) أي : أنهم يأخذون عرض الحياة الدنيا ويعرضون عن شريعة اللَّه التي أنزلها عليهم في التوراة ويزعمون أن اللَّه لا يؤاخذهم بما فعلوا . ثم هم بعد ذلك لا يتوبون إلى اللَّه ولا يستغفرونه ، وإنما حالهم أنهم إن لاح لهم عرض حرام آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، تهافتوا عليه من جديد واستحلوه وأكلوه في بطونهم ، وبدون توبة أو ندم . قال مجاهد قوله تعالى * ( وإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يَأْخُذُوه ) * لا يشرف لهم شيء من متاع الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ، ويتمنون المغفرة ( ويقولون سيغفر لنا ) وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه « 1 » . وقال السدى : ( كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم وإن خيارهم اجتمعوا ، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا ، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى ، فيقال له ما شأنك ترتشى في الحكم ؟ فيقول سيغفر لي ، فيطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل صنعه فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه قبل الرشوة ، ويقول : ( وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه ) « 2 » . ثم أنكر - سبحانه - عليهم ما زعموه بقولهم : ( سيغفر لنا ) وهم مصرون على معصيتهم فقال تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللَّه إلا الحق ودرسوا ما فيه ) . والمعنى : لقد أخذ اللَّه العهد في التوراة على هؤلاء المرتشين في أحكامهم : والقائلين سيغفر اللَّه فعلنا هذا ألا يقولوا على اللَّه إلا القول الحق ، ولا يخبروا عنه إلا بالصدق ولا يخالفوا أمره .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 519 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 260 .