تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
ثم فصل - سبحانه - بعض النعم التي منحها لنبيه موسى وقال : * ( وكَتَبْنا لَه فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) * . والمراد بالألواح كما قال ابن عباس - ألواح التوراة ، واختلف في عددها فقيل : سبعة ألواح وقيل عشرة ألواح وقيل أكثر من ذلك . كما اختلف في شأنها فقيل كانت من سدر الجنة ، وقيل كانت من زبرجد أو زمرد . . . إلخ . والذي نراه تفويض معرفة ذلك إلى اللَّه - تعالى - لأنه لم يرد نص صحيح عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في عددها أو كيفيتها . والمعنى : وكتبنا لموسى - عليه السلام - في ألواح التوراة من كل شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرام ، والمحاسن والقبائح . ليكون ذلك موعظة لهم من شأنها أن تؤثر في قلوبهم ترغيبا وترهيبا ، كما كتبنا له في تلك الألواح تفصيل كل شيء يتعلق بأمر هذه الرسالة الموسوية . وإسناد الكتابة إليه - تعالى - إما على معنى أن ذلك كان بقدرته - تعالى - وصنعه ولا كسب لأحد فيه ، وإما على معنى أنها كتبها بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو ملك من ملائكته - عز وجل - . قال صاحب المنار : قال بعض المفسرين : إن الألواح كانت مشتملة على التوراة : وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة . والراجح أنها كانت أول ما أوتيه من وحى التشريع فكانت أصل التوراة الإجمالي ، وكانت سائر الأحكام من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل يخاطبه بها اللَّه - تعالى - في أوقات الحاجة إليها « « 1 » . وقوله * ( مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) * بدل من قوله * ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) * باعتبار محله وهو النصب لأن من مزيدة كما يرى كثير من النحاة . أي : كتبنا له فيها كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام . والضمير في قوله - تعالى - * ( فَخُذْها بِقُوَّةٍ ) * يعود إلى الألواح . والفاء عاطفة لمحذوف على كتبنا ، والمحذوف هو لفظ قلنا وقوله * ( بِقُوَّةٍ ) * حال من فاعل خذها أي : كتبنا له في الألواح من كل شيء ، وقلنا له خذها بقوة أي بجد وحزم ، وصبر وجلد ، لأنه - عليه السلام - قد أرسل إلى قوم طال عليهم الأمد وهم في الذل والاستعباد ، فإذا لم يكن المتولى لإرشادهم وإلى ما فيه هدايتهم ذا قوة وصبر ويقين ، فإنه قد يعجز عن تربيتهم . ويفشل في تنفيذ أمر اللَّه فيهم . قال الجمل : وقوله - تعالى - * ( وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها ) * أي التوراة ومعنى بأحسنها
هامش
( 1 ) تفسير المنار ج 9 ص 190 .