تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
يقال : صعقتهم السماء تصعقهم صعقا فهو صعق أي : غشى عليه . وقوله : * ( فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) * أي : فلما أفاق موسى من غشيته ، وعاد إلى حالته الأولى التي كان عليها قبل أن يخر مغشيا عليه ، قال تعظيما لأمر اللَّه * ( سُبْحانَكَ ) * أي تنزيها لك من مشابهة خلقك في شيء * ( تُبْتُ إِلَيْكَ ) * من الإقدام على السؤال بغير إذن * ( وأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) * بعظمتك وجلالك أو أنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد . قال أبو العالية : قد كان قبله مؤمنون : ولكن يقول أنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . قال ابن كثير : وهو قول حسن . هذا ، وقد توسع بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآية في الحديث عن رؤية اللَّه - تعالى - وعلى رأس هذا البعض الإمام الآلوسي ، فقد قال - رحمه اللَّه - : « واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته - سبحانه - بهذه الآية على جوازها في الجملة ، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك ، وقامت الحرب بينهما على ساق ، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا : إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين : الأول : أن موسى - عليه السلام - سألها بقوله * ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) * ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عالما بالاستحالة فالعالم - فضلا عن النبي مطلقا ، فضلا عمن هو من أولى العزم - لا يسأل المحال ولا يطلبه . وإن لم يكن عالما بذلك ، لزم أن يكون آحاد المعتزلة أعلم باللَّه وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبي الصفي ، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز . والثاني : أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في ذاته وما علق على الممكن ممكن » . ثم قال ما ملخصه : واعترض الخصوم على الوجه الأول بوجوه منها أنا لا نسلم أن موسى سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به - تعالى - إلا أنه عبر عنه بالرؤية مجازا . أو أنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف ، أي : أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة . أو أنه سأل الرؤية لا لنفسه ولكن لدفع قومه القائلين أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً وإنما أضاف الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيها بالأدنى على الأعلى . واعترضوا على الوجه الثاني بأنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن ، لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط ، لأن الجبل حال سكونه كان مستقرا ، بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته .