تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
صح ما توقعه ، فإنهم بعد أن فارقهم موسى استغلوا جانب اللين في هارون فعبدوا عجلا جسدا له خوار صنعه لهم السامري . ثم حكى القرآن ما كان من موسى عندما وصل إلى طور سيناء لمناجاة ربه فقال : * ( ولَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَه رَبُّه ) * أي : وحين حضر موسى لموقتنا الذي وقتناه له وحددناه ، وكلمه ربه ، أي : خاطيه من غير واسطة ملك * ( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) * أي : قال موسى حين كلمه ربه وسمع منه : رب أرني ذاتك الجليلة . والمراد مكنى من رؤيتك . أو تجل لي أنظر إليك وأراك . و * ( أَرِنِي ) * فعل أمر مبنى على حذف الياء . وياء المتكلم مفعول ، والمفعول الثاني محذوف أي : ذاتك أو نفسك ولم يصرح به لأنه معلوم ، وزيادة في التأدب مع الخالق - عز وجل - . وجملة * ( قالَ لَنْ تَرانِي ) * مستأنفة استئنافا بيانيا ، كأنه قيل : فماذا قال اللَّه - تعالى - حين قال موسى ذلك ، فكان الجواب * ( قالَ لَنْ تَرانِي ) * أي : لن تطيق رؤيتي ، وأنت في هذه النشأة وعلى الحالة التي أنت عليها في هذه الدنيا فنفى الرؤية منصب على الحالة الدنيوية ، أما في الآخرة فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يرون ربهم في روضات الجنات . ثم قال - تعالى - * ( ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَه فَسَوْفَ تَرانِي ) * أي : لن تطيق رؤيتي يا موسى وأنت في هذه الحياة الدنيا ، ولكن انظر إلى الجبل الذي هو أقوى منك ، فإن استقر مكانه أي ثبت مكانه حين أتجلى له ولم يتفتت من هذا التجلي ، فسوف تراني أي تثبت لرؤيتى إذا تجليت لك وإلا فلا طاقة لك برؤيتى . وفي هذا الاستدراك * ( ولكِنِ انْظُرْ ) * . . . إلخ ، تسلية لموسى - عليه السلام - وتلطف معه في الخطاب ، وتكريم له ، وتعظيم لأمر الرؤية ، وأنه لا يقوى عليها إلا من قواه اللَّه بمعونته . ثم بين - سبحانه - ما حدث للجبل عند التجلي فقال : * ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَه دَكًّا ) * أي : فحين ظهر نوره - سبحانه - للجبل على الوجه اللائق بجلاله * ( جَعَلَه دَكًّا ) * أي مدقوقا مفتتا ، فنبه - سبحانه - بذلك على أن الجبل مع شدته وصلابته ما دام لم يستقر عند هذا التجلي ، فالآدمى مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر . والداك والدق بمعنى ، وهو تفتيت الشيء وسحقه وفعله من باب رد . قال الآلوسي : وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم ، أو التأويل بما يليق بجلال ذاته - تعالى - . وقوله * ( وخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) * أي : سقط من هول ما رأى من النور الذي حصل به التجلي مغشيا عليه ، كمن أخذته الصاعقة .