تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
بحسنها إذ كل ما فيها حسن ، أو أمروا فيها بالخير ونهوا عن الشر ، وفعل الخير أحسن من ترك الشر ، وذلك لأن الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان تحمل على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب . أو أن فيها حسنا وأحسن كالقود والعفو ، والانتصار والصبر ، والمأمور به والمباح فأمروا بأن يأخذوا بما هو أكثر ثوابا « 1 » . وقوله - تعالى - * ( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) * توكيد لأمر القوم بالأخذ بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والتهديد . أي : سأريكم عاقبة من خالف أمرى ، وخرج عن طاعتي ، كيف يصير إلى الهلاك والدمار ، فتلك سنتي التي لا تتغير ولا تتبدل . قال ابن كثير : وإنما قال * ( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) * كما يقول القائل لمن يخاطبه : سأريك غدا ما يصير إليه حال من خالفني على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره « 2 » وقيل المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه وهي مصر ، كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فيصيبكم ما أصابهم . وقيل المراد بها منازل عاد وثمود والأقوام الذين هلكوا بسبب كفرهم . وقيل المراد بها أرض الشام التي كان يسكنها الجبارون . فإنهم لم يدخلوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر على يد يوشع بن نون . والذي نراه أن الرأي الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة تحكى سنة من سنن اللَّه في خلقه ، وهذه السنة تتمثل في أن كل دار تفسق عن أمر ربها تكون عاقبتها الذل والدمار ، ولأنه لم يرد حديث صحيح يعين المراد بدار الفاسقين . فالآية الكريمة قد اشتملت على جانب من مظاهر نعم اللَّه على نبيه موسى - عليه السلام - كما اشتملت على الأمر الصريح منه - سبحانه - له بأن يهيئ نفسه لحمل تكاليف الرسالة بعزم وصبر ، وأن يأمر قومه بأن يأخذوا بأكملها وأعلاها بدون ترخيص أو تحايل ، لأنهم قوم كانت طبيعتهم رخوة وعزيمتهم ضعيفة ، ونفوسهم منحرفة . كما اشتملت على التحذير الشديد لكل من يخرج عن طاعة اللَّه وينتهك حرماته . ثم بين - سبحانه - عاقبة من يتكبرون في الأرض بغير الحق فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 190 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 246 .