تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم « « 1 » . ثم ساق القرآن في الآية الثانية دليلا آخر على أن اللَّه - تعالى - هو المستحق للعبادة والحمد ، وعلى أن يوم القيامة حق ، فتحدث عن أصل خلق الإنسان ، بعد أن تحدث في الآية الأولى عن خلق السماوات والأرض فقال : * ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ قَضى أَجَلًا ، وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَه ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ) * . أي : هو الذي أنشأكم من طين ، ثم تعهدكم برعايته في مراحل خلقكم بعد ذلك ، كما قال - تعالى - : ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناه نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ ، فَتَبارَكَ اللَّه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ . وفي ذكر خلق الإنسان من طين ، دليل على قدرة اللَّه وعظمته ، لأنه - سبحانه - هو الذي حول هذا الطين إلى بشر سوى مفكر ، يختار الخير فيهتدى ويختار الشر فيردى ، كما أن فيه تذكيرا له بأصله حتى لا يستكبر أو يطغى ، وحتى يوقن بأن من خلقه من هذا الأصل قادر على أن يعيده إليه . قال تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى . قال أبو السعود : ( وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث ، مع أن ما ذكر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها . لما أن محل النزاع بعثهم ، فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر ، وهم بشؤون أنفسهم أعرف ، والتعامي عن الحجة البينة أقبح ) « 2 » . وقال الجمل : ( وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم - عليه السلام - وهو المخلوق منه حقيقة . لتوضيح منهاج القياس ، والمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس ، مع ما فيه من تحقيق الحق ، والتنبيه على حكمة خفية هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه - عليه السلام - منه . حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه ، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد البشر انطواء إجماليا ، فكان خلقه - عليه السلام - من الطين خلقا لكل أحد من فروعه ) « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 2 ص 387 . ( 2 ) تفسير أبى السعود - ج 2 ص 78 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 4 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 32 | سيد محمد طنطاوي