الذي طبع اللَّه به على قلوب أهل تلك القرى المهلكة ، يطبع اللَّه على قلوب أولئك الكافرين الذين جاؤوا من بعدهم بسبب إيثارهم الضلالة على الهداية .
ثم كشف القرآن عن طبيعتهم فقال : * ( وما وَجَدْنا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) * .
أي : ما وجدنا لأكثر الناس من وفاء بعهودهم في الإيمان والتقوى ، بل الحال والشأن أننا علمنا أن أكثرهم فاسقين ، أي خارجين عن طاعتنا ، تاركين لأوامرنا ، منتهكين لحرماتنا .
وبعضهم يجعل الضمير في * ( أَكْثَرَهُمْ ) * لأهل القرى المهلكة ، وأنهم كانوا إذا عاهدوا اللَّه بعهد نقضوه ولم يوفوا به . والأول أرجح .
والمراد بالعهد ما عاهدهم اللَّه عليه من الإيمان والتقوى والعمل الصالح .
ومن في قوله * ( مِنْ عَهْدٍ ) * مزيدة للاستغراق وتأكيد النفي .
وإنما حكم على الأكثرين منهم بنقض العهود ، لأن الأقلية منهم قد آمنوا ووفوا بما عاهدوا اللَّه عليه من الإيمان والعمل الصالح .
وهذا لون من الاحتراس الذي امتاز به القرآن في عرضه للحقائق ، فهو لا يلقى التهم جزافا ، وإنما يعطى كل ذي حق حقه ، فإن كان الأكثرون قد استحقوا الذم لكفرهم ونقضهم لعهودهم ، فإن هناك قلة آمنت فاستحقت المدح والثناء .
قال الآلوسي : و * ( إِنْ ) * مخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف ، ولا عمل لها فيه لأنها ملغاة على المشهور . وذهب الكوفيون إلى أن * ( إِنْ ) * هنا نافية واللام في * ( لَفاسِقِينَ ) * بمعنى إلا ، أي : ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين « « 1 » .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة التي جاءت في أعقاب الحديث عن أهل القرى المهلكة ، قد بينت لنا السنن الإلهية في سعادة الأمم وشقائها ، وكشفت لنا عن حكمته - سبحانه - في ابتلائه لعباده بالسراء تارة وبالضراء أخرى ، وحضت الناس على المراقبة للَّه وشكره على نعمائه ، وحذرتهم من الغفلة والأمان من مكره - سبحانه - فإنه لا يأمن مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون .
ثم اتجهت في النهاية بالخطاب إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
فأطلعته على الطبائع الغالبة في البشر حتى لا يضيق ذرعا بأحوال من أرسل إليهم .
ثم عادت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن قصة أخرى من قصص الأنبياء مع أقوامهم ،
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 135 .