تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
قال صاحب الكشاف : « والفرق بين الخلق والجعل . أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التضمين ، كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان إلى مكان ، ومن ذلك وجَعَلَ مِنْها زَوْجَها * ( وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ) * ، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة ، والنور من النار » « 1 » . وقال الفخر الرازي : « وإنما حسن لفظ الجعل هنا ، لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كل واحد منهما كأنما تولد من الآخر » « 2 » . وقال أبو السعود : « والجعل هنا هو الإنشاء والإبداع كالخلق ، خلا أن ذلك - أي الخلق - مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية الكريمة والتشريعي أيضا كما في قوله - تعالى - ما جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَةٍ « 3 » . وقد وردت نصوص تصرح بأن الأرض سبع طبقات كالسماوات . إلا أنها في كثير من المواضع القرآنية تفرد - أي الأرض - وتجمع السماء كما هنا ، لعظم السماء . ولإحاطتها بالأرض ، ولأنه لم يعرف أن اللَّه - تعالى - قد عصى فيها ، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض ، بخلاف طبقات الأرض فإنها متصلة . والمراد بالظلمات هنا الظلمات الحسية ، كما أن المراد بالنور النور الحسى لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولأنهما إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان ، ولأن القرآن يستشهد عليهم بمقتضى ما يعلمونه من تفرده بالخلق وهم يعلمون تفرده - سبحانه - بخلق هذه الأشياء . ويرى بعض المفسرين أن المراد بالظلمات ، ظلمات الشرك والكفر والنفاق ، وأن المراد بالنور ، نور الإيمان والإسلام واليقين ، وعلى هذا الرأي يكون المراد بهما معنويا لا حسيا . قال صاحب المنار : قال الواحدي : والأولى حمل اللفظين عليهما ، واستشكله الرازي لأنه مبنى على القول بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، والمختار عندنا جوازه ، وجواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه إذا احتمل المقام ذلك بلا التباس كما هنا ، والتعبير بالجعل دون الخلق يلائم هذا فإن الجعل يشمل الخلق والأمر - أي الشرع - كما تقدم ، فيفسر جعل كل نور بما يليق به « 4 » .
هامش
( 1 ) الكشاف ج 2 ص 3 للزمخشري . طبعة دار الكاتب العربي ببيروت . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 4 ص 5 . ( 3 ) تفسير أبو السعود ج 2 ص 77 طبعة صبيح . ( 4 ) تفسير المنار ج 7 ص 295 للشيخ رشيد رضا . طبعة دار المنار سنة 1367 هجرية .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 30 | سيد محمد طنطاوي