تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد وهو أعم من الشكر . إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح للَّه لأننا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره . أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ، فكان قوله الحمد للَّه تصريحا بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة . وإنما لم يقل الشكر للَّه ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمه بسبب إنعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة ، فحينئذ يكون المطلوب الأصلي له وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة فأما إذا قال الحمد للَّه فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه - تعالى أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت « « 1 » . هذا وفي القرآن الكريم خمس سور مكية اشتركت في الافتتاح بتقرير أن الحمد للَّه وحده ، ولكن كان لكل سورة منهج خاص في بيان أسباب ذلك الحمد . أما السورة الأولى فهي سورة الفاتحة التي تقول في مطلعها الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ . أي : أن الحمد للَّه وحده ، الذي ربي هذا العالم تربية خلقية أساسها الإيجاد والتصوير ، ورباه تربية عقلية أساسها منح قوى التفكير والإدراك ، كما أنه رباه تربية تشريعية قوامها الأحكام التي أوحى بها إلى رسله فتربط استحقاق الحمد للَّه بربوبيته للعالمين ، والربوبية المطلقة تنتظم التربية الخلقية جسمية وعقلية ، عن طريق الإيجاد والتصوير ، كما تنتظم التربية التشريعية التي أساسها الأحكام التي أوحاها اللَّه إلى أنبيائه ورسله . وتجيء بعد سورة الفاتحة في الترتيب المصحفى سورة الأنعام فأثبتت أيضا استحقاق الحمد للَّه وحده ، لأنه « خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، فهي تهتم بالحديث عن نوع خاص من التربية ، وهو التربية الخلقية التي أساسها الخلق والإيجاد والتسوية والتصوير الحقيقي . ثم تجيء بعدهما سورة « الكهف » فتثبت أن الحمد للَّه ، لأنه أَنْزَلَ عَلى عَبْدِه الْكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَه عِوَجاً فتراها تهتم بإبراز التربية التشريعية التي تهذب الروح ، وتهدى الفكر . والسورة الرابعة التي افتتحت بإثبات أن الْحَمْدُ لِلَّه هي سورة سبأ ، لأنه - سبحانه - لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ولَه الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ، ثم تراها بعد ذلك
هامش
( 1 ) تفسير مفاتيح الغيب ج 4 ص 3 للفخر الرازي المطبعة الشرفية سنة 1324 ه .