زاخرة بالحديث عن أنواع التربية المطلقة التي تنجلي في إرساء مظاهر علم اللَّه الشامل ، وملكه المطلق ، وتدبيره المحكم وقدرته النافذة التي تجعله أهلا لكل حمد وثناء .
أما السورة الخامسة فهي سورة فاطر ، فقد أثبتت في مطلعها أن الحمد للَّه ، لأنه فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ ، جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ، أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والذي يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر يراها تهتم بإبراز إثبات أن الحمد للَّه وحده عن طريق الجمع بين التربيتين الخلقية والتشريعية فهي تذكر خلق السماوات والأرض والجبال وتصريف الليل والنهار والشمس والقمر . كما تذكر أنواع الناس في الانتفاع بوحي اللَّه ، وبهدى أنبيائه ورسله .
وهكذا نجد أن السور الخمس قد اشتركت في أنها افتتحت بجملة الْحَمْدُ لِلَّه وفي قصر الحمد والثناء عليه وحده . إلا أن كل واحدة منها قد سلكت منهجا خاصا في تقرير هذه الحقيقة ، وفي إقامة الأدلة على صدقها .
وقد أحسن القرطبي عندما قال : « فإن قيل : قد افتتح غيرها - أي سورة الأنعام - بالحمد للَّه فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه ، لا يؤدى عن غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون » « 1 » .
ثم بين القرآن بعد ذلك الأسباب التي تحمل العقلاء على أن يجعلوا حمدهم كله للَّه - تعالى - فقال :
* ( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ، وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ) * .
والمعنى : الحمد كله للَّه الذي أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية ، وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية ، وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات . فالجملة الكريمة قد اشتملت على صفتين من صفات اللَّه - تعالى - تثبتان وجوب استحقاق الحمد الكامل للَّه - عز وجل - وهما خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور .
وعبر - سبحانه - في جانب السماوات والأرض بخلق ، وفي جانب الظلمات والنور يجعل ، لأن الخلق معناه هنا الإنشاء والإيجاد الابتدائي من العدم ، أما الجعل فيتضمن معنى تكوين شيء من شيء أو من أشياء ، فالظلمات تتولد من اختفاء الشمس عن الأرض ، والنور يتكون من بزوغ الشمس على الأرض ، وهذه التقلبات الكونية هي بتقدير اللَّه العزيز العليم .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 6 ص 384 طبعة دار الكاتب العربي سنة 1967 م .