تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
وقوله : * ( فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه ) * حكاية لما وجهه نوح لقومه من إرشادات ، أي : قال لهم بتلطف وأدب تلك الكلمة التي وجهها كل رسول لمن أرسل إليهم : اعبدوا اللَّه وحده لا شريك له ، فإنه هو المستحق للعبادة ، أما سواه فلا يملك نفعا أو ضرا . وكلمة * ( غَيْرُه ) * قرئت بالحركات الثلاث ، بالرفع على أنها صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية . وقرأ الكسائي بالجر باعتبار اللفظ ، وقرئ بالنصب على الاستثناء بمعنى ، ما لكم من إله إلا إياه . ثم حكى القرآن أن نوحا حذر قومه من سوء عاقبة التكذيب ، وأظهر لهم شفقته بهم وخوفه عليهم فقال : * ( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * أي : إني أخاف عليكم إذا ما سرتم في طريق الكفر والضلال وتركتم عبادة اللَّه وحده عذاب يوم عظيم ، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه ولتكميل الإنذار . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما موقع الجملتين بعد قوله : * ( اعْبُدُوا اللَّه ) * قلت : الأولى - وهي ما لكم من إله غيره - بيان لوجه اختصاصه بالعبادة ، والثانية وهي - إني أخاف . . . إلخ - بيان الداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون اللَّه . واليوم العظيم : يوم القيامة ، أو يوم نزول العذاب بهم وهو الطوفان « « 1 » . بهذا الأسلوب المقنع المهذب دعا نوح قومه إلى وحدانية اللَّه . فكيف كان ردهم عليه ؟ لقد ردوا عليه ردا سقيما حكاه القرآن في قوله : * ( قالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِه إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * . الملأ : الأشراف والسادة من القوم . سموا بذلك لأنهم يملؤون العيون مهابة . وقيل : هم الرجال ليس فيهم نساء . والملأ : اسم جمع لا واحد له من لفظه : كرهط . والجملة الكريمة مستأنفة ، كأنه قيل فماذا قالوا له ؟ فقيل : قال الملأ . . . إلخ والرؤية هنا قلبية ومفعولاها الضمير والظرف ، وقيل : بصرية فيكون الظرف في موضع الحال . أي : قال الأشراف من قوم نوح له عندما دعاهم إلى وحدانية اللَّه : إنا لنراك بأمرك لنا بعبادة اللَّه وحده وترك آلهتنا في انحراف بين عن طريق الحق والرشاد . يقال : ضل الطريق يضل وضل عنه ضلالا وضلالة ، أي زل عنه فلم يهتد إليه ، وجعلوا الضلال ظرفا له * ( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * مبالغة في وصفهم له بذلك وزادوا في المبالغة بأن أكدوا ذلك بالجملة المصدرة بأن ولام التأكيد .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 271 .