تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وتوجيه الخطاب إليهما في قوله : * ( فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ) * لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به . أي : كلا من مطاعم الجنة وثمارها أكلا واسعا من أي مكان أردتم . ثم بين - سبحانه - أنه نهاهم عن الأكل من شجرة معينة فقال : * ( ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) * . القرب : الدنو والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة . وتعليق النهى على القرب منها القصد منه المبالغة في النهى عن الأكل ، إذ في النهى عن القرب من الشيء نهى عن فعله من باب أولى . وأكد النهى بأن جعل عدم اجتناب الأكل من الشجرة ظلما . فقال : * ( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) * وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها ، فقد ترتب على أكلا منها أن أخرجا من الجنة التي كانا يعيشان فيها عيشة راضية . وقد تكلم العلماء كثيرا عن اسم هذه الشجرة ونوعها فقيل هي التينة ، وقيل هي السنبلة ، وقيل هي الكرمة . . . إلخ إلا أن القرآن لم يذكر نوعها على عادته في عدم التعرض لذكر ما لم يدع المقصود من سياق القصة إلى بيانه . وقد أحسن ابن جرير في التعبير عن هذا المعنى فقال : « والصواب في ذلك أن يقال : ان اللَّه - تعالى - نهى آدم وزوجه عن الأكل من شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين ، لأن اللَّه لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة ، وقد قيل كانت شجرة البر ، وقيل شجرة العنب ، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به » « 1 » [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 20 إلى 25 ] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِه الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 ) وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 ) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 )
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 521 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 256 | سيد محمد طنطاوي