والإغواء : خلق الغي بمعنى الضلال . وأصل الغي الفساد ، ومنه غوى الفصيل - كرضى - غوى ، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته ، أو منع الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ثم استعمل في الضلال ، يقال : غوى يغوى غيا وغواية فهو غاو ، وغوى إذا ضل ، وأغواه غيره : أضله .
وقوله : * ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ) * زيادة بيان لحرص الشيطان على إضلال بني آدم بشتى الوسائل ، أي : آتيهم من الجهات الأربع التي اعتاد العدو أن يهاجم عدوه منها ، والمراد : لأسولنّ لهم ولأضلنّهم بحيث لا أفتر عن ذلك ولا أيأس .
وقيل إن معنى * ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) * أي : من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية ، وما هو كذلك فكأنه بين الأيدي . * ( ومِنْ خَلْفِهِمْ ) * أي من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة « وعن أيمانهم وعن شمائلهم » أي : من جهة حسناتهم وسيئاتهم بحيث أزين لهم السيئات وأزهدهم في الحسنات .
وقوله : * ( ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) * أي : مطيعين مستعملين لقواهم وجوارحهم وما أنعم اللَّه به عليهم في طريق الطاعة والتقرب إلى اللَّه .
وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن كقوله - تعالى - : ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .
ولقد وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة في التحذير من الشيطان وكيده ، ومن ذلك قوله - تعالى - : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوه عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَه لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ . وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن سبرة بن الفاكه قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : ان الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام ، فقال :
أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك ؟ قال : فعصاه فأسلم . ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول - أي كالفرس المربوطة بالحبل . قال : فعصاه فهاجر . قال : ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : هو جهاد النفس والمال . فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال ، قال فعصاه فجاهد : فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : فمن فعل ذلك منهم فمات ، كان حقا على اللَّه أن يدخله الجنة ، أو قتل كان حقا على اللَّه أن يدخله الجنة ، وإن غرق كان حقا على اللَّه أن يدخله الجنة ، أو وقصته دابة كان حقا على اللَّه أن يدخله الجنة » .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عبد اللَّه بن عمر قال لم يكن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يترك هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي . يقول : اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي . اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي . اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقى ، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 254
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٥٤