تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
المفاعلة على بابها ، والقسم وقع من الجانبين ، لكنه اختلف متعلقه ، فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول « 1 » . ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس في خداع آدم وحواء فقال : * ( فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ) * . أي : فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية ، وأطمعهما في غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم . ودلاهما مأخوذ من التدلية ، وأصله أن الرجل العطشان يدلى في البئر بدلوه ليشرب من مائها ، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء ، فيكون مدليا فيها بغرور . والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش ، وأصله من غررت فلانا أي أصبت غرته وغفلته ونلت منه ما أريد . ثم بين القرآن الآثار التي ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال : * ( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) * . أي : فلما خالفا أمر اللَّه - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التي نهاهما اللَّه عن الأكل منها ، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتساقط عنهما لباسهما ، وظهرت لهما عوراتهما . وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها . ويخصفان : مأخوذ من الخصف ، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض ، وفعله من باب ضرب . قال بعض العلماء : « ولعل المعنى - واللَّه أعلم - أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا ، وخلعا ثوب الطاعة ، وبدت منهما سوأة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما ، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى ، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها ، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك . فلما سمعا النداء الرباني بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى اللَّه ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب اللَّه عليهما وهو التواب الرحيم ، وقال لهما فقط أولهما ولذريتهما ، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض ، لينفذ ما أراد اللَّه من استخلاف آدم وذريته في الأرض ، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى . ومنازعة عدوهم لهم فيها ، إِنَّ اللَّه بالِغُ أَمْرِه ، قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً « 2 » . ثم بين القرآن ما قاله اللَّه - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره . فقال : * ( وناداهُما رَبُّهُما ) * بطريق العتاب والتوبيخ * ( أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) * . أي عن الأكل منها
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 100 . ( 2 ) صفوة البيان لمعاني القرآن ص 255 ، لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 258 | سيد محمد طنطاوي