تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
شعيب ، فما كان منهم عندما باغتهم العذاب في وقت اطمئنانهم وراحتهم إلا أن اعترفوا بذنوبهم وقالوا على سبيل التحسر والندم وطمعا في الخلاص : إنا كنا ظالمين . فهاتان الآيتان الكريمتان توضحان بأجلى بيان أن هلاك الأمم سببه بغيها وفسادها وانحرافها عن الطريق المستقيم ، وتلك سنة اللَّه التي لا تختلف في أي زمان أو مكان . وأن الظالمين عندما يفاجئون بالعقوبة يتحسرون ولا يستطيعون إنكار ما ارتكبوه من جرائم ومنكرات ولكن ذلك لن ينفعهم لأن ندمهم وتحسرهم قد فات وقته ، وكان الأجدر بهم أن يتوبوا من ذنوبهم عندما جاءتهم النذر ، وقبل حلول العذاب . ولذا قال ابن كثير : قال ابن جرير : في هذه الآية الدلالة الواضحة في صحة ما جاءت به الرواية عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من قوله : « ما هلك قوم حتى يعذروا عن أنفسهم « 1 » » . و * ( أَوْ ) * في قوله : * ( فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) * للتنويع ، أي أن بعضهم جاءهم عذابنا ليلا وبعضهم جاءهم نهارا عند استراحتهم . وإنما خص هذان الوقتان بنزول العذاب ، لأنهما وقتا غفلة ودعة واستراحة ، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأوجع . ومن العبر التي نأخذها من هاتين الآيتين أن العاقل هو الذي يحافظ على أداء الأوامر واجتناب النواهي ، ولا يأمن صفو الليالي ، ورخاء الأيام ، بل يعيش حياته وصلته بربه مبنية على الخوف والرجاء فإنه فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ . وبعد أن بين القرآن ما أصاب الظالمين من عذاب دنيوي . عقبه ببيان ما سيحل بهم من عذاب أخروي ، فقال : * ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنَّا غائِبِينَ ) * . والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التي بلغتها دعوة الرسل ، يسأل كل فرد منها عن رسوله إليه وعن تبليغه لدعوة اللَّه ، ويسأل المرسلون عن التبليغ منهم وعن إجابة أقوامهم لهم ، وقد ورد ذلك في كثير من آيات القرآن . قال - تعالى - : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّه الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ ؟ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . وقال تعالى : ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ؟ والمعنى : فلنسألن المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم الذين جاؤوا لهدايتهم ، ولنسألن المرسلين عما أجيبوا به من أقوامهم وعن تبليغهم لرسالات اللَّه ، ولنقصن على الرسل والمرسل إليهم كل ما وقع منهم عن علم دقيق وإحصاء شامل ، لأننا لا يغيب عنا شيء من أحوالهم .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 201 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 246 | سيد محمد طنطاوي