تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وعطفت جملة * ( فَلَنَسْئَلَنَّ ) * على ما قبلها بالفاء ، لأن هذا السؤال سيكون في الآخرة ، وما ذكر قبل ذلك من عقوبات هو آخر أمرهم في الدنيا . فالآية الكريمة بيان لعذابهم الأخروى إثر بيان عذابهم الدنيوي . وأكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد ، لأن المخاطبين كانوا ينكرون البعث والجزاء . فإن قيل : قد أخبر اللَّه عنهم قبل ذلك أنهم قالوا عند نزول العذاب بهم * ( إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) * فلما ذا يسألون يوم القيامة مع أنهم اعترفوا بظلمهم في الدنيا ؟ فالجواب : أنهم لما اعترفوا سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم ، والمقصود من هذا السؤال تقريعهم وتوبيخهم لكفرهم وعنادهم . فإن قيل : فما فائدة سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة ؟ فالجواب من فوائده الرد على من أنكر من المشركين أن الرسل قد بلغوهم ، فقد حكى القرآن أن بعضهم قال : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ ومن فوائده - أيضا - مضاعفة الثواب لهؤلاء الرسل الكرام حيث إنهم قد بذلوا قصارى جهدهم في التبشير والإنذار ، ولم يصدر عنهم تقصير قط . فسؤال المرسل إليهم إنما هو سؤال توبيخ وإفضاح ، وسؤال المرسلين إنما هو سؤال استشهاد بهم وإفصاح . فإن قيل : هناك بعض الآيات تثبت أن المجرمين لن يسألوا يوم القيامة كما في قوله تعالى : ولا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ وكما في قوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِه إِنْسٌ ولا جَانٌّ فكيف نجمع بين هذه الآيات التي تنفى السؤال والآيات التي تثبته كما في قوله : * ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) * ؟ فالجواب ، أن في يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسألون في موقف الحساب ولا يسألون في موقف العقاب . أو أن المراد بالسؤال في قوله : * ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ ) * التوبيخ والتقريع . والمنفي في قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِه سؤال الاستعلام ، أي أن المذنب لا يسأل يوم القيامة هل أذنبت أولا ، لأن اللَّه لا تخفى عليه خافية ، وإنما يسأل : لم فعلت كذا ؟ بعد أن يعرفه - سبحانه - بما فعله ، ويؤيد هذا القول قوله - تعالى - : * ( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنَّا غائِبِينَ ) * أي : فلنخبرنهم بما فعلوا إخبارا ناشئا عن علم منا . قال بعض العلماء : « والذي يهمنا هنا ، أن نقرر أن هذا السؤال لم يكن سؤال استفهام ولا استخبار ، وإنما هو سؤال تبكيت وتنديد ، فليس في السائل مظنة أن يجهل ، ولا في المسؤول مظنة أن ينكر : ، وهو تصوير لما يكون من شعور المكذبين بتكذيبهم ، وشعور المرسلين بتبليغهم ، وهو نوع من تسجيل الحجة على من أنكرها وأعرض عنها في الوقت الذي كان يجديه